الأحد، ٢٩ صفر ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٢ ميلادى

ضبط الإعدادات!

إيناس حسين مليباري

تخيّل أن لك بيتًا يُبنى، لكنك لا تُشرف على بناءه، وإنما تبني الأمنيات والخيالات وتصبّر نفسك بها، يُراءى لك ضمن أوهامك أن الأمور تسير على ما يُرام، قد تُرسل أحدهم ليأتي لك بأخبار البناء.. لكنك لا تزال متكاسلًا عن الكدّ والتعب في وضعِ حجر الأساس، ثم إذا ما انتهى البناء، صُدمت بالنتيجة! حينذاك.. هل لك أن تلوم فتُعذر؟

وكذا الحال مع الأطفال في أول شهر من بدء عامهم الدراسي، كلما قويت شَوكة المعلم في تأسيس طلابه وفق القوانين المسموح والممنوع، كلما كان أقرب لضبط صفه طيلة العام الدراسي- بإذن الله.

يبدأ العام الدراسي في عالم الروضات عادة بترحيب بالطفل وهو ما يُسمى بالأسبوع التمهيدي، والغرض منه هو تهيئة الطفل للانفصال عن أسرته وإشراكه في المجتمع.

ما يحدث عادة في هذا الأسبوع هو تحبيب الطفل وترغيبه بشتى الطرق والوسائل بالروضة والمعلمات.

ثمّ ماذا بعد الأسبوع التمهيدي؟

يعقب ذلك شرح قوانين وآداب كل فترة من فترات البرنامج اليومي الخاصة بالروضة، ومعرفة الطفل وتذكيره بها دومًا، صحيح أنها عملية لعلها مملّة للمعلمات إلا أن في تكرارها في الأسابيع الأولى خير ونفع.

ومن قلب الميدان أقول: ثمة صنفان من المعلمات، منهن من تكتفِ بشرح القوانين على أنها مسلمات غير قابلة للشرح ولا للتعليل، والصنف الآخر – الذي أنا من حزبه وأنصاره – هو إعطاء كل قانون حقه من الشرح والتحليل- خاصة مع العمر الأكبر كأطفال التمهيدي ٥-٦ سنوات- فيُشرح للطفل القانون، ثم توضيح مدى ضرورة التزامنا بهذا القانون، ماذا يحدث لو خالفنا هذا القانون (توضيح الضرر المترتب على التخلي عن القانون).

هذه الطريقة تُشعر الطفل بأهمية البطاقة المعلقة على الحائط، فتنمو علاقة متينة بينه وبينها، يعرف جيدًا لمَ عليه رفع يديه قبل الإجابة، ولا يتعجل بلفظها، يتذكر كلام معلمته له: ” الله سبحانه وحده الذي يسمع الأصوات كلها في وقت واحد، بينما المعلمة تستطيع سماع شخص واحد فقط” بهذا النحو تؤتي القوانين أكلها.

مما كنتُ أفعله هو عرض مقاطع مرئية لالتزام الناس بقوانين الشارع، من بينها: التزام السيارات بإشارة المرور، ماذا يحدث إذا لم يلتزموا؟ تكثر الإصابات وتحدث الفوضى. ومنها: التزام السيارات بالتوقف أمام مسار المشاة، لماذا؟ ثمّ نوسّع الدائرة، فنعرض التزام الناس بالوقوف في صف المحاسبة في الأسواق، لماذا؟

وإني أذكر دهشة أطفالي وهم يشاهدون مقطع يوضح ترتيب المصلين في الحرم وهم يصطفون بشكلٍ منتظم فور سماعهم لإقامة الصلاة.

لنصل نهاية: أن لكل مكان قوانينه الخاصة، والتزام الإنسان بها، يقلل المشاكل، فينهي حاجته وينتفع بوقته.

وبعد ضبط القوانين العامة الثابتة، تسعى المعلمة لتأسيس قاعدة متينة لتعامل الأطفال مع بعضهم، كالاحترام، وانتظار الدور. على المعلمة أن تكون بستة أعين! إذ أن هذه الفترة ذهبية لتشجيع السلوك الحسن وتثبيط السلوك السيء بتعزيز عكسه.

ومما هو جدير بالذكر ومتوقع حدوثه، هو وجود خلل في بعض ما خططت له المعلمة سابقًا -قبل قدوم الأطفال- وإني أنصح بالتصحيح الفوري واستدراك الوضع.

وصحيح أن ما صلح ونفع مع مجموعة من الأطفال لا يعني أنه سيصلح مع من سيخلفهم! وإنما لكل زمان طرائقه وأساليبه!

إنها المرونة، المرونة بصيص الأمل للمعلمة!

فعند حدوث مشكلة، طريقة التفكير السليمة للمعلمة هي سؤالها لنفسها: ماذا أفعل لئلا يتكرر هذا السلوك؟

وما أكثر ما اكتشفنا أن كثير من المشكلات، كان ضبطها بتغيير يسير كأن يتم تغيير مسار الأطفال أثناء المشي وانتقالهم من مكانٍ لآخر، أو وضع علامة تحدد مكان وقوفهم، أو بإضافة نشاط جديد مثلًا.

آخر الأمر، نحن لا نستطيع ضبط حياة الطفل كاملة، وإنما نعزز السلوك الحسَن لينمو، ونحدّ من السلوك السيء ليخبو. تذكُّر المعلمة لهذه الحقيقة كفيل بأن يريحها عناء التفكير، إذ أن فئام من الأطفال تستنزف الجهود وينعدم الأثر! فيتسلل الإحباط عنوة لفؤاد المعلمة، وحقيقة الأمر مما هو مُشاهَد أن هذا النوع من الأطفال يكون حلهم حينما يتجاوزوا عمرهم الحالي وينتقلوا لما هو بعد ذلك! فيختلف سلوكهم وتُضبط نفسيّاتهم.

وما يهم فعلًا هو السلوك العام للصف، هل يتبعون القوانين؟ إن كان كذلك فبها ونعِمَت! هذا مؤشر حسن لضبط إعدادات الصف! فالحمدُ لله ربّ العالمين.

إيناس حسين مليباري

جامعة الملك عبد العزيز| مركز الطفولة

Enas.melebari@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *