الأحد، ٢٩ صفر ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٢ ميلادى

من أجل أبويك

أحمد العساف

أعلم يقينًا أنكَّ وأنكِّ ممن تحبون والديكم أحياء وأمواتًا وغائبين، وأن حنينك إلى صوتهما، ورائحتهما، وملامحهما، يزداد مع الأيام ولا يفتر، وضرام ذكرياتهما في النفس يشتعل ولا يخبو، ولربما أن قد خلوت بنفسك يومًا من الدهر؛ فتذكرت شيئًا من خبرهما معك، ومواقفهما، وحدبهما لصالحك، فتسابقت البسمة مع دمعة، ولجّت بك الذكرى حتى ولجت إلى أعماق نفسك، وأعادتك إلى ماضٍ قريب أو بعيد؛ فوددت تقبيل يديهما، ولثم ثراهما، وصنع أيَّ شيءٍ يسعدهما، رحمة الله ورضوانه على آبائنا وأمهاتنا.

عليه فهاهنا أفكار عملية في صلة الأبوين وبرهما عقب غيابهما، وهي يسيرة جدًا، وذات ديمومة ونفع يتجاوز فضلها الفرد والزمان والمكان، وربما يدرك المرء بها ما فاته من واجبات البر بسبب التسويف وصوارف الدنيا ومشغلاتها، والسعيد من أهتبل الفرص السوانح، أو صنعها وإنه لفن رابح! وهي أفكار سبق كتابتها عبر تويتر أو مناقشتها مع آخرين، وأتصور أن أصلها موجود في أذهان الغالبية، وهي مدرجة في جدول أعمال السباقين إلى العمل الرشيد، والتذكير بها لا بأس منه ولا به؛ فنحن أمة تعي بأن الذكرى تنفع المؤمنين، جعلنا الله وإياكم منهم ذاكرين متذكرين ومذكرين.

فإذا تصدقت أيها الموفق وأيتها الموفقة عن أبويك وأسلافك من أجدادك وأهلك فمن الحسن أن تشرِك بالأجر معهم كلَّ من له حق مادي أو معنوي عليهم؛ لعله أن يُقضي عن آبائك شيء لا تعلمه وربما نسوه هم أو لم يفطنوا له في محياهم. وإذا كتب الله لك أن توقف وقفًا فلا تنس أولئك القوم من أجر الوقف وثوابه، فما يدرينا عمّا في ذمم السالفين، وسعة غفران ربنا تجعلنا نأمل بالقبول الرباني والصفح الإلهي عن أيّ معاملة فيها حقٌّ لآدمي لم يستطع الأبوان قفلها في الحياة لسبب أو آخر.

وإن دعاء الابن والابنة للوالدين من خير العمل والبر خاصة عقب وفاتهما كي لا ينقطع عنهما العمل والأجر طبقًا للحديث الشريف الذي جعل دعاء الولد الصالح من باقي العمل، وفيه مزية خفية إذ لا يواظب على الدعاء لأبويه غير ولد صالح من ذكر أو أنثى. ومن حكمة الدعاء أن تضيف مع أبويك والديهما، وإخوانهما، وأخواتهما، وعامة القرابة، والذين ارتبطوا مع الأبوين بصداقة أو زمالة أو جوار، ولا تنس ذوي الفضل عليهما، ولا تغفل عمّن أخطأ عليهم الأبوان بظلم أو ظنٍّ خاطئٍ لعل الله أن يجعل في استغفارك ودعواتك إحسانًا لأبويك، وتكفيرًا عنهما، وما أيسر الدعاء على من استصحب قيمته، واستحضر قلبه حين المناجاة.

كما أنه من البر بالمتوفى من أب وأم أن يستعجل الورثة بتجهيزه والصلاة عليه ودفنه مع إخطار ذوي العلاقة به استثمارًا لدعواتهم وعفوهم، ثمّ زيارتهم في المقبرة والسلام عليهما، ويسهل ذلك بكثرة الصلاة على الجنائز. ومن أجلّ الأعمال المبادرة بسداد دينهما المعلوم، وإنفاذ وصيتهما المكتوبة أو المروية، وقسمة تركتهما عقب ذلك دون تأخير مع النصح للقصّر والضعفة ومن لا يعرف تدبير شؤونه، وهو حسن عهد بسمعة الراحل حتى لا تُلاك بسوء أو تُشاب بملومة، غير ما في هذا الإجراء الحكيم من جميل الصلة بالأحياء، وإبقاء الود معهم، وحفظ تماسك الأسرة، وقطع دابر الإفساد والإشاعات، وتقليل أعمال المحاكم، واستثمار تقارب النفوس وشفافية الأرواح بعد مدة يسيرة من الوفاة قبل أن تطمس الدنيا وأحوالها تلكم الأوقات العامرة بالفطرية الزكية.

ولا يكتمل الحديث عن الأبوين الراحلين دون الإشارة إلى أطراف مهمة مرتبطة بهما؛ فالطرف الأول والأهم هم إخوانك وأخواتك من أشقاء وغير أشقاء، فأنت وهم تحملون الاسم ذاته، وترجعون إلى الأصل نفسه، ونشأتم معًا في دار واحدة، وعلى طرائق متشابهة، ولن يسعِد الأبوين شيء أكثر من التئام بنيهم وتقاربهم وبقاء الصفاء فيهم، وسهولة التراضي بينهم. وأما الطرف الثاني فهم الأعمام والعمات، والأخوال والخالات؛ فالعم صنو الأب، والخالة تقوم مقام الأم، وهم شركاء والديك في الطفولة والشباب والكهولة والانتساب، فلا يفوتنك شيء من الخير بالتفريط في إكرامهما. وثالث الأطراف هم الأصدقاء وأهل المودة الراسخة عبر الزمن، ويا لسعادة من يجد من أصحاب والديه أحدًا فيكرمه ويقدره.

اللهم اجعلنا من أهل البر وساعدنا عليه، ونعوذ بك يا مولانا من الشقاء والتجبر والبغي، ومن أيّ عمل مشين استحق به العاق لوالديه وصفين قبيحين منفرين هما: جبار! شقي! ونسألك يا رحمن يا رحيم أن تغفر للراحلين من الآباء والأمهات والأجداد، وأن تكتبنا جميعًا من جملة الأبناء والأحفاد والأسباط الذين كانوا بنواياهم وصنائعهم بررة صالحين محسنين أوفياء، موفقين للخيرات والمكرمات، وممن ورّثوا هذه العراقة السامية لأجيال بعدهم، كي يستمر فينا المعروف والصلة.

أحمد بن عبدالمحسن العسَّاف-الرياض

 ahmalassaf@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *