الإثنين، ٤ جمادى الأولى ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٢ ميلادى

أصدق حقيقة وآكد مستقبل!

أحمد العساف

نعم هو أصدق حقيقة دنيوية ولا يكاد أن يكون فيها نزاع معتبر، وهو آكد مستقبل لكل ذي نفس من مخلوقات الله ولو طال أمد بقائهم؛ فكل مخلوق حي سيموت إن عاجلًا أو آجلًا. ومع قوة هذه الحقيقة وثباتها إلّا أننا نغفل عنها عمدًا أو سهوًا، بل وتنفر الآذان من التذكير بها، وكأنّ التغاضي عنها سيرجئها أو يؤخرها؛ فالموت حق محتوم قضى الله أن يرد حياضه جميع خلقه مهما عاشوا، وسوف يشربون من الكأس ذاته بلا استثناء حتى أن الأرض ومن وما عليها سترتاح من راحل، وتبكي على آخر.

وقد شغلت فلسفة الموت وما بعده أصنافًا من الناس، فبعضهم يظن أن خروج الروح هو آخر المطاف، وفيهم من يؤمن بتناسخ الأرواح، ومنهم الحائر الذي لا يدري كيف أتى ولا إلى أين سيذهب، وحيرته هذه تزيده غمًا ونكدًا، وفيهم من يعتقد أن عقب الحياة عودة ومبعثًا وحسابًا، على اختلاف التفسيرات والتأويلات. ولبعض المذاهب أفكار عن الاقتراب من الموت، ومحاولة تجربته، والسعادة المنتظرة بعده، أو حتى الفزع منه ومما بعده حتى اخترعوا له صوتًا ورائحة وصورة مروعة. والشيء الأكيد أن مفارقة الدنيا ستكون من أصدق أحوال حديث الإنسان إذا نطق أو كتب أو عبر.

 كما جعل الموت مادة لبعض الأعمال الفكرية؛ حتى صارت العلاقة نتيجة لذلك وثيقة بين الموت والكتابة، وفي أجزاء منها إصابة أو إجادة، ولا تخلو بعض أقسامها من الهذيان والطلاسم. وتتنوع الكتابة ما بين الحديث عن الموت نفسه، أو رثاء راحل أو تأبينه، أو الخوض في أحكام وآداب وتأملات. ولربما أن بعض المؤلفات الجامعة بين الهزل والجد مستندة إلى ما بعد الموت مثل رسالة الغفران للمعري وكوميديا دانتي، وهما عملان خالدان في الحضارة الأدبية العربية والغربية.

كذلك فإن الموت بوقعه المر الثقيل الأليم يقزم جلّ المشكلات الاجتماعية والتجارية والإدارية والفكرية حتى تكاد أن تتلاشى، ويقضي على غالب الخلافات والمنافسات فتغدو كأن لم تكن، ولنا في جرير والفرزدق أوضح مثال. فلماذا نتشاحن ولا نتصافى قبل أن يمضي أعجلنا؟! ولم نعاند صوت العقل والحكمة حتى يفرط أحد الأطراف فتبقى الغصص في الحلوق، والأسى في النفوس، بسبب مغادرته قبل التصالح والتسامح، وذهابه دون أن يسمع كلمة جميلة، أو يُستعلن أمامه بالمودة والمحبة كما أحسنت سكينة بنت الحسين مع زوجها مصعب بن الزبير وهي تودعه قبل أن يخرج من عندها إلى مصرعه رضي الله عنهم جميعًا؟

ثمّ إنه في حياة الناس على اختلاف المجتمعات والطبقات والثقافات، يكاد أن يتساوى الكافة في لحظتين هما: لحظة الميلاد، ولحظة الوفاة، ففيهما مشاعر متماثلة سرورًا وحزنًا، وحقائق واحدة في المجيء والرحيل حتى لو افترقت بعد ذلك طقوس الاستقبال ومراسم الوداع. ومع وحدة البدء والختام إلّا أن بينهما من الأنواع الحياتية ما لا يحصى كثرة واختلافًا، وفيهما من التأويلات ما يصعب الإحاطة به، والله يلهمنا الصواب، وينقذنا من الضلال، والحمدلله أن شرع لنا استقبال الوليد بالتأذين، وتوديع الراحل بالصلاة، وما أجمل الحياة بينهما في طاعة الله؛ فالدنيا قصيرة كأنها وقت ما بين الآذان والصلاة.

وفيما يخص الموت سيدخل الملك الموكل به إلى قصور الزعماء المحاطة بالحراس وأجهزة الكشف، وحواجز الصد، ومحطات الفحص؛ فلا يمنعه أحد بل لا يعلم به أحد، فينتزع الروح وصاحبها أضعف ما يكون على جبروت بعضهم وبطشه. وفي مكان آخر سوف يعبر هذا الملك المأمور إلى سرير الثري المترف، أو مأوى الفقير المعدم، أو مكان الأسير القصي؛ فيقبض روحه دون ممانعة تمامًا مثلما يحصل مع ذوي السلطة والجاه، فمن يستطيع مقاومة الموت، أو الاعتراض على أمر الله إذا جاء ولو بتأخيره طرفة عين أو أقرب؟!

فإذا مات المرء خلا مكانه وطويت صحيفته فلا تنشر إلّا يوم مبعثه، بينما تظل صحيفة بعض الأموات منشورة يسجل فيها ويكتب إن خيرًا فخير وإن شرًا فمثله. ومن أعظم أسباب استمرار العمل الصالح: بث العلم، والصدقة الجارية، ودعاء الولد الصالح، والحصيف هو الذي يستكثر منها، ويخطط لاستمرارها بعد رحيله من خلال الوقف والوصية وجميل الأثر وحسن التربية للأبناء والبنات خلال الحياة، فاللهم اغفر لأبي الراحل منذ ثلاثين عامًا، واغفر لأمي التي يتم لوفاتها اليوم شهرها الأول، والدعاء موصول لمن يقرأ ووالديه، ولكل مسلم ومسلمة.

وإنه لمن البر أن يتفقد الإنسان أمواته الذين لم يعقبوا؛ أو انقطع نسلهم، أو تباعدت أزمانهم، فيذكرهم بالدعاء، ويستغفر لهم، ويتصدق عنهم، وما أكثر أبواب نفع الأموات. أما الأبوين والإخوة والأزواج فمن أعظم البر أن يسعى المرء لإرضاء والديه بعد مماتهم كما كان يصنع في حياتهم، وما أوسع أبواب الأعمال الطيبة التي يستطيع أن يفعلها الابن من أجل والديه وأقاربه الأقربين. ولا يمكن نسيان فضل زيارة المقابر والسلام على أهلها والدعاء لهم، ومن أوجه الإحسان أيضًا إهداء ثواب العمل الصالح لهم، فما أحوجهم، وما أجدرنا بتعاهد من سبق إلى البرزخ والدار الآخرة منهم.

كما أن الموت الآتي لا محالة قد فتح المجال واسعًا كي يحرص البصير على اختيار طريقة وفاته قدر استطاعته، ولولا إمكانية ذلك لم يطلب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من بنيهم الموت على الإسلام، ولم يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخبر أمته والناس كافة ويرشدهم إلى أن محياه ومماته لله رب العالمين، حتى غدا الموت صناعة يجيدها المنعم عليهم مثل غلام الأخدود وغيره ممن هداهم الله وثبتهم بقول كلمة الحق دون هيبة، ومن آخرهم المؤمن الذي سيفضح المسيح الدجال أمام الناس قبيل قيام الساعة.

ومن خبر الموت أنه يحفز المسلم والمؤمن لاستدراك الفوات، والاستكثار من الصالحات، واستبقاء الأثر. ومنه أن الموت الذي تفر منه الخلائق سيأتي على الناس يوم يتمناه فئام منهم بسبب ظلام الدنيا بما فيها من فسوق وطغيان واستضعاف، والله يحمينا. ومما يرتبط بالموت أن الأنبياء عليهم السلام يخيرون قبل قبض أرواحهم وما أهون الدنيا، وأن الشهداء يقدمون على مصيرهم وهم يعلمون ما سيكون بيد أن العاقبة المحمودة تتفوق على الألم وحب الدنيا.

أسأل الله أن يلهمنا الرشد، فمن وراء الأموات برزخ إلى يوم يبعثون، وما أحرانا بالتخطيط لتلك النهاية المحتومة، وما أولانا ببر الآباء والأمهات، والوفاء للأقارب والصالحين والأصدقاء والجيران، فليس من المروءة وحسن العهد هجرهم وتركهم من قبل الأحياء. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم واجعلهم في نور وبرد وأنس، واشمل بذلك جميع الأموات من المسلمين والمسلمات، وهيئ لنا من يدعو لنا إذا صرنا معهم.

أحمد بن عبدالمحسن العسَّاف-مكة

 ahmalassaf@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *