الإثنين، ٧ ربيع الأول ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٠٣ أكتوبر ٢٠٢٢ ميلادى

يوم عرفة: كمال وميثاق

أحمد العساف

عرفة يوم تزدحم فيه الفضائل من جميع نواحيه، فهو ضمن الأشهر الحرم وأشهر الحج، وأحد أيام عشر ذي الحجة، وفيه ركن الحج الأعظم، وصيامه يكفر سنة ماضية وأخرى آتية، ويجاور يوم الحج الأكبر أعظم أيام السنة على الإطلاق، وهو وصيفه في الأفضلية، وقيل إنه اليوم المشهود والوتر، ووردت فيه نصوص تحث على صيامه لغير الحاج، واعتباره من أيامنا التي يشرع فيها الفرح والإكثار من ذكر الله جل وعلا.

‏ففي ‫يوم عرفه تنقلب أحوال غالب الناس نحو الأحسن سواء ممن وافى الموسم الأكبر أو بقي في بلده، فأجواء البيئة المحيطة العبقة بنفحات هذا اليوم العظيم، تعين على سمو الطاعة، ونبل الخلق، والإسراع للأوبة، وما أعظم تأثر المجتمعات بما يحيط بها، وما أشد حاجتنا لتهيئة أحوال تبعث الخير بيننا، وتقمع الشر، وتعيدنا نحو الجادة مهما نأت بنا المواضع.

وفيه يكرم ملك الملوك عباده بالعفو والمغفرة والعتق وإجابة الدعاء وتحقيق المنى، ويباهي بهم ملائكة السماء، ويشهدهم على غفران ذنوبهم، ومحو خطاياهم، وقبول استغفارهم، وروي عن أمراء المسلمين تحينهم هذا اليوم العظيم للعفو عن المخطئ، والتجاوز عمن لحقته الملامة باجتهاد؛ فاللهم اغث عبادك وأمة نبيك بالمكرمات والعزة والقرب منك، واقذف في قلوب القادرين التوسعة على من لا بواكي لهم، ولا نصير لهم سواك وكفى بك وليًا ونصيرًا.

وتسبق كل يوم ليلته وتأخذ حكمه شرعًا، فمثلا يبدأ رمضان من غروب شمس آخر يوم من شعبان، وبغروب شمس آخر يوم رمضاني تبدأ تكبيرات العيد، بينما ينفرد يوم عرفة بسحب اختصاص الليلة التالية له أي ليلة عيد الأضحى لتأخذ أحكام وقفة عرفة تيسيرًا للحجاج، فاللهم تقبل منهم.

كما أن لهذا اليوم خطبة محفوظة مشهودة مسموعة من الحجاج وغيرهم، وما أعظم مسؤولية من ارتقى منبر نمرة وخطب في الجموع، لأنه خطبته ستقاس على مضمون خطبة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم التي أعلن فيها الميثاق الإسلامي العالمي للحقوق، وسبق بها إعلانات البشر التي لم تصدر إلّا قبل سبعين عامًا ولم يلتزم بها سدنتها قبل غيرهم، بينما ظل ميثاقنا حاضرًا في عصور قوتنا، ونعمت به الدنيا وأهلها؛ ولا عجب فالحج فريضة تدعو للسلام والسكينة.

وسارعت الدول الإسلامية لنقل أحداث هذا اليوم العظيم من المشعر الحلال والمشعر الحرام، وعاشت مع الحجيج في حركتهم وسكنتهم، ونقلت صورًا لجامع نمرة، وجبل الرحمة، وازدحام الناس، ومسيرهم، فنزولهم إلى المزدلفة وصلاتهم العشاءين، باستثناء دولة واحدة غالت في تطرفها العلماني الاستئصالي الشرس، حتى كتب الله زوال دكتاتورها الأول فالثاني، والله يجعل عاقبة أهلها وعاقبة بلاد المسلمين والمسالمين الأمن والرخاء وطاعة الرحمن.

فما أعظم يوم هذا شأنه، وما أجدرنا بمعرفة ديننا وأحكامه، والتعارف فيما بيننا، والحج فرصة لمؤتمر إسلامي عالمي مفتوح يتلاقى فيه أبناء الدين الواحد في مشهد من الوحدة والألفة عزيز، ولعلنا نعرف من خلال هذا اللقاء السنوي أن أمة الإسلام لا يجمعها سوى دينها المحفوظ في كتاب ربها، والمبثوث في الصحيح من سنة نبيها وسيرته عليه الصلاة والسلام، وتطبيقات العهد الراشدي.

إنه ليوم عظيم ذلك الذي أكمل الله به الدين، وأتم النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا، وجدير بنا أن نفرح به وبإسلامنا، وأن نحاسب أنفسنا في جميع شؤوننا، وهل هي واقعة تحت مظلة كمال الدين وتمامه، وفي محيط رضى ربنا علينا، أم أنها جنحت ذات اليمين والشمال؟ ولا ثمرة للمحاسبة إلّا بالتصحيح وتعديل المسير فالفرصة باقية، والأبواب مفتوحة، وربنا عفو غفور رؤوف، ونحن أمة موعودة بالخير والعزة.

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض

ahmalassaf@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *