جمالٌ داوني | صحيفة تواصل الالكترونية

جمالٌ داوني

0
جمالٌ داوني
د. محمد بن عبد العزيز الشريم

من أكثر الناس استثارة للرحمة في القلوب أولئك الأطفال الذين تظهر عليهم بصمات “متلازمة داون”، حيث تجتمع فيهم براءة الطفولة وبراءة الداونية. تعود بي الذاكرة أحياناً سنوات إلى الوراء، حينما كانت الإعاقة بصورها المختلفة سبباً لإقصاء المعاق عن الحياة الاجتماعية خارج المنزل، إلا ما رحم الله. وكان هذا العزل القسري سبباً في حرمانه من التعليم والتعايش بقدر ما يتيسر مع بقية أفراد المجتمع.

لكن انتشار فكرة دمج المعاقين في الحياة العامة أدت – بفضل الله – إلى تغير كبير في نظرة المجتمع للمعاق، ولأسلوب التعامل المناسب معه. وقد رأيت مرة وأنا أوصل أحد أطفالي إلى الروضة طفلاً داونياً ينزل من سيارة والده ويتجه نحو باب الروضة، وهو يحيي الحارس بابتسامة جميلة، وهو يقول: “صباح الخير يا أبو حسن”. وكانت موازية لها في الجمال تحية الحارس الأبوية الحانية على ذلك الطفل، الذي رحب به وأمسك بيده برفق حتى عبر الباب.

بعض المجتمعات التي سبقتنا في إدماج المعاقين مع بقية أفراد المجتمع قطعت شوطاً كبيراً في ذلك، وصارت فرصهم في الحصول على عمل والاستقلال النسبي عن غيرهم أكبر. كما أنهم يستضافون في بعض الفعاليات الاجتماعية والاحتفالات مع غيرهم. بل إن بعضهم يظهر كعارض أزياء، أو “موديل” في إعلانات ملابس الأطفال وألعابهم، حتى يظهروا أمام الآخرين مثل بقية الأطفال، ويشعرون بأنهم جزء من المجتمع، لا يختلفون كثيراً عن بقية أفراده.

إدماج أطفال متلازمة داون في التعليم العام قدر الإمكان يسهم بقدر كبير في تطبيع سلوكهم، وتقريبهم من السلوك الطبيعي لبقية الأطفال؛ لأنه يعرضهم للبيئة الطبيعية التي يتعلم منها الأطفال ويتعايشون معها. ومع برامج التأهيل المناسبة لهم، صار كثير منهم قادراً على ممارسة نشاطات حياتية عديدة بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى مساعدة أسرته، فضلاً عن أن يكون معتمداً عليها.

يروي أحد الآباء حواراً دار بينه وبين طفله عن زميله الداوني، حينما وصفه بنبرة عطف بأنه صديقه، ولكنه يعاني من مشكلات في التفكير! قال الأب معلقاً ومصوباً إن تفكيره يختلف عنا، في محاولة لتجنيب طفله النظرة السلبية لقدرات الطفل الداوني العقلية. وكان في الوقت نفسه صادقاً في توصيف الحالة، عندما يعرف طفله مستقبلاً أن بعض الأطفال الداونيين ليسوا بقدرات عقلية مساوية لأقرانهم من الأطفال.

دورنا نحن الآباء والأمهات أن ننشر هذه الثقافة الإيجابية نحو هذه الفئة الغالية، فنتجنب استخدام الأوصاف السلبية تجاههم، ونحاول أن نتحدث مع أطفالنا عنهم على أنهم أطفال عاديون، لكنهم مختلفون بعض الشيء. وحينما ينشأ أطفالنا بهذه النظرة الإيجابية، فإنهم سيتعاملون معهم بشكل طبيعي، ويتخلصون من أي تحيز أو تمييز ضدهم؛ مما سوف ينعكس أيضاً بآثار إيجابية على الأطفال الداونيين أنفسهم؛ مما يريح أسرهم في التعامل معهم. وتذكروا أن علامات تطبيع وجود الداونيين بيننا، أن يمر أحدهم بجوارنا فلا يستدعي توجيه تساؤل، أو نظرة استغراب، بل ولا حتى نظرة إعجاب!

د. محمد بن عبدالعزيز الشريم

mshraim@