الأحد، ٦ ربيع الأول ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٠٢ أكتوبر ٢٠٢٢ ميلادى

وزراء بين الدبلوماسية والشورى

أحمد العساف

من المعتاد جدًا أن يصبح الوزير سفيرًا أو العكس، وأن ينتقل المرء بخبرته العملية بين مجالس السلطتين التنفيذية والتنظيمية أو التشريعية، بل إن هذا الأمر له فائدته الإدارية من ناحية نقل الخبرة، وإبداء وجهة نظر تغيب عمّن لم يعايش التجربة أو يصيب في التصور. يضاف إلى ذلك ما فيه من تكامل بين أجهزة الحكومة، وما يشير إليه من دلالة على العلاقة بين الدول فيما يخصّ الجانب الدبلوماسي.

ولأني أحصيت عددًا من المعلومات عن مجلس الوزراء الموقر وحول أعضائه من الوزراء رحم الله أمواتهم وأعان الأحياء على كل خير؛ فها هنا توضيح لهذا الجانب بما فيه من وزراء سفراء، ووزراء أعضاء في مجلس الشورى، أو وزراء خاضوا هذه التجربة الإدارية بأبعادها الثلاثة، واللطيف أن عدد هذا الصنف فقط ثلاثة من الوزراء. وأشير إلى أني لم أدخل في هذا الحصر من كان موظفًا في سفارة وليس سفيرًا مهما كان مسماه، ومثلهم من كان سفيرًا أو ممثلًا لدى منظمة دولية، كما لم أضف للمجموع أعضاء مجلس الشورى القديم، وهو وصف لم يتكرر إلّا للوزير الشيخ أحمد شطا فقط.

بناء على ذلك تبين لي أن أربعة وأربعين وزيرًا (44) عملوا في السلك الدبلوماسي أو في مجلس الشورى، ونسبتهم من مجموع الوزراء تبلغ الربع تقريبًا ( 23.5%). ومن هؤلاء الوزراء خمسة وعشرون وزيرًا (25) أصبحوا سفراء للمملكة، فيهم ستة وزراء (06) كانوا سفراء قبل الوزارة، بينما عيّن عشرة وزراء (10) سفراء عقب نهاية عضويتهم في مجلس الوزراء. وشغل تسعة وزراء (09) منصب السفير قبل الوزارة وبعدها، لكن د.غازي القصيبي انفرد من الوزراء غير الأمراء بكونه سمي وزيرًا أول الأمر، ثمّ غدا سفيرًا في بلدين قبل أن يعود إلى مقعده الوزاري من جديد مودعًا السفارات وعوالمها.

كما ظهر لي أن أول سفير صار وزيرًا هو د.رشاد فرعون الذي تحول من سفارة فرنسا إلى وزارة الصحة عام (1373)، وهو نفسه ثاني وزير يغادر المجلس إلى السفارة؛ إذ ترك مقعد وزير الصحة وأصبح السفير في فرنسا مجددًا عام (1380) خلفًا للأمير طلال الذي أصبح أول وزير يشغل منصب سفير. وربما أن أول سفراء اختيروا للوزارة بعد د.فرعون هم الشيخ إبراهيم السويل، ثمّ الشيخ محمد الشبيلي، والشيخ محمد الزغيبي، والثاني منهم لم يبرح سفارته في الباكستان؛ لأنه طلب قبول اعتذاره عن منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعية فور تعيينه وهو ماكان. وأول وزيرين صارا سفيرين بعد د.فرعون هما الشيخ محمد عبدالله رضا أول وزير للتجارة، والشيخ ناصر المنقور ثاني وزير للعمل والشؤون الاجتماعية.

وأكثر الدول العربية ظهورًا في تاريخ الوزراء العملي بالسفارات هي مصر والعراق، وأكثر دولة إسلامية هي تركيا، بينما كانت أكثر دول العالم حسب إحصائي هي فرنسا وأمريكا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا. كما كان بعض الوزراء أول سفراء المملكة في بعض البلاد مثل الشيخ جميل الحجيلان في الكويت، والشيخ عمر السقاف في إثيوبيا. وبعضهم نال جائزة أحسن سفير مثل أ.د.أسامة شبكشي في ألمانيا، وم.وليد الخريجي في هولندا. ومنهم من كان سفيرًا في نفس الدولة قبل الوزارة وبعدها مثل د.فرعون مع فرنسا كما مضى، ود.عبدالعزيز خوجه مع المغرب.

كذلك عمل بعض الوزراء سفراء في دول كثيرة مثل الشيخ ناصر المنقور الذي عمل مقيمًا وغير مقيم في عشر دول، ويتلوه الشيخ فيصل الحجيلان الذي حمل أمانة السفارة في سبع دول، والطريف أن الأخير تسلّم مهام السفارة من سلفه الشيخ جميل الحجيلان وكلاهما كانت وزارة الصحة آخر مناصبه الوزارية. ومن السفراء من سمي عميد السفراء في البلد الموفد إليه مثل السفراء الوزراء المنقور والقصيبي وجميل الحجيلان.

وحين نراجع أسماء الوزراء الذين عملوا في السفارات قبل الوزارة أو بعدها، سنجد ظهورًا لافتًا لعدة وزارات هي الخارجية مثل الوزراء السويل والسقاف والجبير وفيصل بن فرحان، والإعلام مثل الوزراء الحجيلان والشاعر وخوجه والعواد، والزراعة مثل الوزراء السويل والمعمر والخريجي، والصحة وهي الأعلى مثل الوزراء فرعون والحجيلان والقصيبي وفيصل الحجيلان وشبكشي، والتجارة مثل الوزراء زينل والعوضي، والعمل والشؤون الاجتماعية مثل الوزراء الشبيلي والمنقور وأبا الخيل.

أما أعضاء مجلس الشورى من الوزراء فعددهم اثنان وعشرون وزيرًا (22)، ومن هذا العدد ستة عشر وزيرًا اختيروا أعضاء في مجلس الشورى قبل تسميتهم وزراء، ومن ضمنهم نائب لرئيس مجلس الشورى هو د.بندر حجار، ومساعدان هما د.عبدالرحمن البراك، ود.فهاد الحمد. بينما انتقل (06) وزراء من عضوية المجلس إلى العمل تحت قبة الشورى، ومنهم رئيسا المجلس الشيخ محمد بن جبير، والشيخ د.عبدالله آل الشيخ. وقد جمع ثلاثة وزراء (03) بين السفارة والوزارة وعضوية الشورى، وهم الشيخ عبدالرحمن أبا الخيل، ود.محمد الجارالله، وم.وليد الخريجي.

وبين مجلس الوزراء ومجلس الشّورى علاقات وثيقة، فكم من عضو شوري غدا وزيرًا وهم الأكثر، وأوّل مثال الوزراء د.محمّد الرّشيد، ود.علي الجهني، ود.محمّد الجارالله، الذين جاءوا إلى عضوية المجلس الوزاري من الشورى. وبالمقابل فمن الوزراء من أضحى عضوًا في الشّورى؛ والوزير الشّيخ عبدالرّحمن أبا الخيل أوّلهم، وجاء بعده غير ما وزير سابق، بل إن رئاسة مجلس الشورى أسندت إلى وزيرين من أعضاء المجلس وهم وزيرا عدل متعاقبين. وأظهر الوزارات في سجل الوزراء الذين لهم خبرة شورية هي وزارت الشؤون الاجتماعية والتعليم والحج من خلال الوزراء أبا الخيل والرشيد والنملة ومدني وحجار والعكاس والحميد والسبتي والغفيص.

ومن باب الإشارة السريعة، فلعدد من الوزراء حضور لافت في منظمات دولية كثيرة متنوعة الاختصاص، ولهم تعاقب متكرر في مؤسسات حكومية محلية، وشركات وجامعات، ولعلّ مثل هذا أن يُحصى لاحقًا إن وجدت من الوقت ما يكفي، ومن السبل إلى المعلومات الدقيقة ما يزيد في الاطمئنان، وهما شرطان ليسا من السهل توافرهما. وأيًا يكن، يبقى على من يكتب ويقرأ واجب الابتهال لرب الأرض والسماء بأن يوفق الوزراء فمن بعدهم للإحسان والإتقان والإبداع، فالبلاد وأناسها يستحقان كل جهد مالي وبدني وذهني وروحي.

أحمد بن عبدالمحسن العسَّاف-الرياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *