الأحد، 18 ذو القعدة 1445 ، 26 مايو 2024

أعلن معنا

اتصل بنا

المشي والتأمل ..لماذا وكيف؟

المشي والتأمل
المشي والتأمل
أ أ
addtoany link whatsapp telegram twitter facebook

التأمل المنتظم مهم لصحة الجسم والعقل ولنهج الحياة القائم على الوعي ويمنح العقل المرهق مساحة للتفكير وتطوير القناعات بشكل قد يغير مسارات الحياة ويشكل المستقبل. كما يمكن للانتظام في التأمل أن يحسن جودة التفكير والعلاقات والتركيز والإدراك، وأن يوفر تواصلا أعمق مع الروح والأفكار الخاصة بعيدا عن “طاحونة الحياة” اليومية.

اضافة اعلان

 

المشي والتأمل ..لماذا وكيف؟

 


وقد وجدت الكثير من الأبحاث علاقة إيجابية بين التأمل والصحةـ. فقد ثبت أن فترات التأمل مرتبطة بتخفيف التوتر والقلق وتعزيز الصحة النفسية والوعي بالذات. كما تحسّن القدرة على استمرار التركيز والانتباه وتبطيء فقدان الذاكرة المرتبط بتقدم العمر. ويمكن للتأمل أن يعزز فينا اللطف والمشاعر الإيجابية تجاه النفس والآخرين ويساعد في محاربة أنواع الإدمان ويحسّن النوم ويقلل الأرق ويخفف ارتفاع ضغط الدم ويحسّن الصحة البدنية عموما. وتزداد كل تلك الفوائد كلما زاد الوقت في ممارسة التأمل، كما أنها تتراكم بمرور الوقت ولها مردود أكثر فعالية في الفئات الأكبر سنا.



من السهل أن “يتورط” العقل في الأفكار اليومية من مهام العمل الشاق إلى احتياجات الأسرة…إلخ. ومن السهل أيضا أن نتورط في أحاديث النفس الداخلية التي تغلب عليها السلبية وتأسر الكثيرين. وقد لا يسمح كل ذلك لأفكارنا الإبداعية بالظهور إلى السطح كما يجب.


وكثيرا ما تتجلى أفكارنا الأكثر إبداعا أثناء النوم العميق (في الأحلام) أو في وسط الاستحمام بلا تخطيط ولا مقدمات. أمّا عندما نمارس المشي والتأمل فيمكن التخطيط لظهور الإلهام والإبداع بطريقة واعية. فمنذ زمن الفلاسفة المشائين اليونانيين اكتشف عددٌ من المفكرين علاقة عميقة وواضحة بين المشي والتفكير، وكتب هنري ديفيد ثورو (1817- 1862م) الفيلسوف والشاعر والكاتب الأمريكي قائلا “في اللحظة التي تبدأ فيها ساقاي بالتحرك تبدأ أفكاري في التدفق”

إن الطريقة التي نحرك بها أجسادنا تغير طبيعة أفكارنا. والمشي على وتيرة متكررة يتسبب في ردود فعل تلقائية لحالتنا العقلية. فعندما نمشي تتأرجح أقدامنا ويتأرجح معها مزاجنا وحديثنا الداخلي (كما يحدث عندما تهدهد الأم الطفل). كما أن المشي مرتبط بالتفكير بسبب ما يحدث في الدماغ، حيث يضخ القلب بشكل أسرع ويصل مزيد من الدم والأكسجين إلى الدماغ. ويؤدي المشي إلى تعزيز الروابط ونقل الرسائل بين خلايا الدماغ، وإلى إفراز الاندورفينات وغيرها من “هرمونات السعادة” والموصلات العصبية، كما يوسع تواصل فصي الدماغ (الأيمن والأيسر) ليخلط المنطق بالخيال ويعزز التفكير خارج الصندوق. والمشي يحسن المزاج ويخفض التوتر والضغوط النفسية ويطرد الأفكار والمشاعر السلبية وينمي الإبداع كما ثبت في الكثير من الأبحاث، ومنها بحث ماريلي أوبيزو ودانييل شوارتز المشهور من جامعة ستانفورد.

والمشي والتأمل ليس من إضاعة الوقت في “عدم عمل أي شيء” بل يمنحنا فرصا منتظمة لتركيز وعينا، والتخلص من التشتيت الذي يحدث أمام الشاشات ومع أفكار الآخرين، ويعيدنا للتواصل بوعي مع أفكارنا. ويساعد هذا الوعي الإيجابي على الهدوء الداخلي ويوفر “مرآة” نرى فيها أنفسنا وأفكارنا، ويخرجنا من تفكير ” الطيار الآلي” الذي نعيش به معظم يومنا ويبقينا قادرين على الابتكار والإبداع. والمشي والتأمل ضروري للتفكير بوضوح وللحصول على وقت لأنفسنا والاعتماد على أنفسنا في التعامل مع مشكلاتنا ومخاوفنا والتركيز على أولوياتنا.

أما كم يكفي من المشي للتأمل وبدء التركيز، فلن تتأخر الأفكار في التدفق ومن الدقائق الأولى من المشي. وقد يكفي بضعة كيلومترات للدخول في مزاج تأملي عميق. ومن الممكن أن تتحسن نوعية وكمية التأمل برحلة طويلة ليوم واحد، وتتحسن أكثر مع رحلات المسارات الطويلة لعدة أيام. وقد يؤدي المشي الطويل إلى التأمل العميق الذي يغير أنماط التفكير بشكل جذري والوقوف مع مسيرة الحياة ومراجعتها بالكامل.

وقد سطرت الكثير من رحلات المشي الطويل قصصا غيرت أصحابها وصنعت منهم أشخاصا مختلفين. ومن تلك القصص ما حدث للمغامرة تشيريل سترايد التي اعتقدت في سن الثانية والعشرين أنها فقدت كل شيء بعد وفاة والدتها وتشتت عائلتها ودمار زواجها في غضون أربع سنوات، فأدمنت المخدرات ولم يعد لديها ما تخسره. ودون سابق خبرة أو تدريب ومدفوعة بإرادة عمياء قررت أن تقطع مسار “حافة المحيط الهادئ” (PC Trail) بمفردها في رحلة مشي طويلة ومليئة بالتشويق والذكريات والأفكار والفكاهة ومواجهة الصعاب وبالكثير من التأمل. رحلة كادت تصيبها بالجنون لكنها قوتها وشفتها في نهاية المطاف. وخرجت من المسار امرأة ناجحة وكتبت روايتها “وايلد” التي حُولت إلى فلم شهير يحمل نفس الاسم “Wild”

ومنها قصة روبرت ريدفورد الذي تقاعد في نهاية الستين من عمره وكان شخصا عاديا. وبلا مقدمات ولا سابق خبرة قرر هو وصديق قديم له قطع مسار أبالاتشي (3.498 كم) المزدحم بالمشاة والذي يقطع أمريكا من الشرق إلى الغرب في مغامرة خطرة وكوميدية استمرت ثلاثة أشهر قطعا خلالها أقل بقليل من نصف المسار، وكتب روايته “نزهة في الغابة” التي حولت إلى فلم شهير حمل نفس الاسم “A Walk in the Woods”

أما كيف يصبح التأمل فعالا أثناء المشي فيحدث باختيار الوقت المناسب وأفضل الأوقات لذلك المشي فجرا. كما يوفر المكان عنصرا مهما حيث ينصح بالمشي في أماكن أشبه ما تكون بالطبيعة ويتوفر فيها قدر أكبر من التنوع البصري وتقل فيها مقاطعات الآخرين. وتأتي خصوصية المشي في الطبيعة (الهايكنج) في أن المشاهد الجديدة والمتنوعة قد توحي بأفكار مختلفة، وقد يعين الدمج بين تلك اللمحات الداخلية والخارجية على التفكير المبدع.

ومن من أهم النصائح في المشي والتأمل



• امش فجرا
• امش وحيدا
• حدد موضوعا تتأمله
• انتبه للأمان وعِ ما حولك
• تجنب الإسراع والمشي المرهق
• لا توجه أفكارك واتركها تنساب
• تجنب الانشغال بالهاتف وسماعة الأذن
• ابقَ على وعي مستمر بالتأمل وأعد توجيه انتباهك كلما تشتت
• أشغل حواسك بما ترى وتسمع وتشم من روائح وإحساس بالحرارة والرياح
• ركز على ارتفاع قدميك وسقوطهما على الأرض وحركة ساقيك وبقية جسمك
• خذ معك مفكرة وقلما لصيد الأفكار والحلول
• تعود مشي مسافات أطول بالتدريج وانتظم في “مشيات التأمل”

يمكن أن يتطور المشي والتأمل بمرور الزمن وينقل تركيزنا من مرحلة لأخرى ومن تأمل مشكلة إلى تأمل مشكلة أخرى في تطور مستمر يساير حياتنا ومراحلها وفرصها المتجددة فنراجع كل شؤون حياتنا بشكل متواصل. وبهذا نمشي نحو “نسخة أخرى أفضل” من أنفسنا.

ختاما، يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844 -1900م) “الأفكار العظيمة حقًا تنشأ أثناء المشي”

ودمتم سالمين
د. صالح بن سعد الأنصاري
مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة
المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض

addtoany link whatsapp telegram twitter facebook