الخريطة التفاعلية
غلق الخريطة
ولي العهد يصل منطقة الجوف

ولي العهد يصل منطقة الجوف

بلدي الرياض يتابع مطالب حي الموسى مع شركة المياه

بلدي الرياض يتابع مطالب حي الموسى مع شركة المياه

مجهول متنكر في «زي نسائي» يحرق سيارة فارهة بجدة (فيديو وصور)

مجهول متنكر في «زي نسائي» يحرق سيارة فارهة بجدة (فيديو وصور)

ذئبان يتجولان في ‎روضة نورة شمال الرياض‎ (فيديو)

ذئبان يتجولان في ‎روضة نورة شمال الرياض‎ (فيديو)

مدني بريدة يحذر: لا تقتربوا من هذا الوادي

مدني بريدة يحذر: لا تقتربوا من هذا الوادي

وفاة وإصابة 6 أشخاص في تصادم مروع على طريق «الخرمة- رنية»

وفاة وإصابة 6 أشخاص في تصادم مروع على طريق «الخرمة- رنية»

الإطاحة بمقيم انتحل صفة رجل أمن في جدة.. عقوبة صارمة بانتظاره

الإطاحة بمقيم انتحل صفة رجل أمن في جدة.. عقوبة صارمة بانتظاره

نائب أمير منطقة جازان ينقل تعازي القيادة لوالد وذوي الشهيد «العريف معافا»

نائب أمير منطقة جازان ينقل تعازي القيادة لوالد وذوي الشهيد «العريف معافا»

أحياء بلا حياة

أحياء بلا حياة
هند عامر

 

(١)

يجلس في بيت من بيوت الله سبحانه، يخلو بنفسه ليعيد ترتيب حياته ويلم شعث قلبه، يجلس بعد أن نالت الحياة المادية من روحه فجاء ليعيد شحن نفسه بالإيمان ويزداد قوة وهو يتدبر: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم} ثم يَتَسَاءَل بتعجب: أَي مصدر سهل ومتيسر للقوة تهدينا إياه هذه الآية؟

وفِي لحظة.. يصدر صوت تنبيه من هاتفه ليخبره بأن ثمة رسالة واتساب، الرسالة هي من تلك الرسائل الجماعية التافهة، لكن فضوله يدفعه ليرمي بعوالم السكينة الرحبة خلفه، ويعاود اللهاث في عصر السرعة، وجنون التقنية، فيعود الضعف لينال منه ويستوطن الشعث قلبه، وتُحكِم الفوضى قبضتها على حياته.

(٢)

لم تكن تعترف باستخدام ساعة المنبه، فهي قد اعتادت أن تنام باكراً وتستيقظ قبيل الفجر، تصلي ما تيسر لها من قيام الليل ثم تتبعها بصلاة الفجر، وتمكث على سجادتها حتى شروق الشمس لتختم جلستها بركعتي الشروق، وتنطلق في تنفيذ ما دونته بالأمس من مهام فتنهي عملها خارج المنزل وداخله، وتختم يومها بإِنْتَاجية رائعة لتعاود النوم مُبَكِّراً.

لكنها مُنْذُ أن دخلت عوالم تويتر وتعرفت على المجموعات الفكرية في الواتس أب، باتت لا تنام إلا متأخراً وتعيش قلق وانشغال ذهن مُسْتَمِرين، تحاور هذا وترد على هذا وتغضب من بذاءة هذا وتحزن من سوء ظن هذا، ورغم النفع العلمي الذي لا ينكره إلا معاند إلا أنها غفلت عن ضبط سطوة الجدالات على حياتها، لم تعد تقوم الليل كالسابق وارتبكت صحتها وباتت تُعَانِي من صداع مستمر؛ بسبب أشعة الهاتف وانخفض معدل إِنْتَاجيتها ومَا زَالت في دوامة دون أن تعي فداحة الخسائر.

(٣)

يطلب من عامل نظافة الشركة أن ينظف مكتبه، ثم لا يلبث أن جاءه العامل بدفتر جلدي ضخم يئن من الغبار، يتسمر مكانه وتنازعه الذكريات وهو يتأمل هذا الدفتر، يمد يده ليأخذه ويقلب صفحاته، فوجد تلك العبارة بخط والده تستقر على صفحته الأولى: (بني إذا لم تدون تجاربك وتستخرج الفوائد منها ستكون مثل من يعيد دراسة المرحلة الابتدائية عشرات المرات، ستقع في ذات الأخطاء وستذهب حياتك هباء)! كانت وصية والده التي التزمها وحافظ عليها وانعكست على حياته بالنضج والتطور السريع.

لكنه قبل أن يكمل يطرق برأسه ويتأمل حياته التي تَحَوَّلَتْ إلى لحظات خاطفة بعد دخوله عوالم اليوتيوب، لقد جعل (سندان اللحظة) يحطم (مدرسة التجربة)، لم يعد يجد وَقْتَاً ليعيش تجارب مكتملة فَضْلاً عن أن يدونها ويستفيد منها و(ضاعت الوصية)!

(٤)

تفتح عينيها على صوت صراخ الممرضة تتأمل السقف الذي حفظت تفاصيله وهي مسجاة على سريرها الأبيض، تنهي مسلسل الرعاية اليَوْمِيّ وتطلب من الممرضة أن تفتح جهازها لتبحث عن سناب صديقتها شوقاً لسماع صوتها، فتجد الصديقة تصور كوب قهوتها المعتادة لترسل تحية الصباح للجماهير الغفيرة التي تتابعها!

تبتسم بحزن وتغمض عينيها لتتذكر آخر مرة زارتها صديقتها، لم تنسَ كيف كانت هي تنتشي حينما تفتح عينيها كل صباح فتجد صديقتها تجلس بجوارها بسكينة وهي تتلو عليها آيات الرقية، فإذا ما تناولت إفطارها تشاركها شرب القهوة حتى يقترب وقت عمل الصديقة فترحل لتعاود الحضور صباح اليوم التالي.

كان وجود صديق يربت على قلبك وأنت تعارك الأيام القاسية المتتالية في جفاء هذا المبنى الضخم – الذي يسمونه مُسْتَشْفَى – نافذة أمل مشرعة وخير عزاء في الصبر على الابتلاء، لكن سناب شات خطف الصديقة الوفية التي أصبحت من مشاهيره، وقذف بها في دوامة إرضاء الجماهير واستغلال هذه الشهرة، وأنساها صديقتها التي تعرضت معها لحادث، أُصِيبَتْ الصديقة بشلل ونجت هي منه لتصاب بشلل آخر.. (شلل سناب شات) فتبقى تعيش تأنيب ضمير على صديقتها المنسية وتنسى أن حياتها برمتها مشلولة.

قبل النهاية:

تتحدث فرانسيس بووث في كتابها (مصيدة التشتت) عن دراسة صينية مؤلمة أجريت على شبان يعتمدون على شبكة الإِنْتَرْنِت في جزء كبير من حياتهم وكانت النتيجة المؤثرة، أن هذا الاعتماد دمر ركنين أساسين في حياة هؤلاء: الذهول وانعدام التركيز الذي يعتبر مفتاح الفشل في الحياة فأصبحوا ذاهلين عن كل شيء، والثاني ذبول التعاملات العاطفية، ولَك أن تطبق النتيجة الأخيرة على علاقتك مع ربك، وعلاقتك مع نفسك، وعلاقتك مع أحبابك؛ لتعرف جناية التقنية على حياتك وكيف أصبحنا أحياء بلا حياة.

النهاية:

أنت من سيكتبها.

……..

التعليقات (١٥)اضف تعليق

  1. ١٥
    حلم

    صدقتِ يا هند
    لا فض فوك
    ولا كسر قلمك 💜

  2. ١٤
    تاج الحياة

    راااائع بكل معنى الكلمة
    ويعكس الصورة الحقيقية التي يعيشها الجميع
    ولاأخفيك أنها فكرة باتت تؤرقني كثيراً
    سلمتِ وسلم قلمك 🌷

  3. ١٣
    حكمة بنت خالد

    أحياء بلا حياة … عبارة مؤلمة وقاسية رغم واقعيتها !!
    والآن وبعد الغرق في لذيذ المواقع والتيهان بين دروب الشبكات والنجاة من الغرق التقني والتخلص من شراك برامج التواصل إلى الراحة الفكرية والهدوء النفسي والأمان.. لن يكون سهل ألبتة .. _فلو كان الأمر سهلا لفعله الجميع_
    وعادوا إلى قواعدهم السابقة سالمين ..
    مقالة ذات عمق.. حفظك الرحمن أ. هند

  4. ١٢
    نوره سعود

    عبااااره مؤلمه ومقاال رائع حقا أبدعت فصورت واقعنا بورك فيك وفي قلمك الصادق

  5. ١١
    لمى

    بورك فيك أ.هند
    التقنية باتت تسرق منا كل اللحظات الجميلة والعلاقات الدافئة..تغرقنا بدوامة لا تنتهي
    لعلنا ننتبه بعد كلماتك وننفض عنا غبار التقنية ووحشة الغربة وبرودتها
    رااااائعة كما عهدناك دوما وكلماتك تلامس القلوب
    اسعدك ربي دوما

  6. ١٠
    أفنان

    مقال روعة روعة روعة

  7. ٩
    أبوعبدالرحمن

    ما جابت لنا هذه البرامج غير المرض والغثى , واشهار المفلسين والفارغين والتافهين

  8. ٨
    مرام الرياني

    تركنا كل الايجابيات والفوائد واختصرنا 4 قصص كلها سلبية !
    اجلدوا ذاتكم لين تشبعون

  9. ٧
    أم البراء

    جزاك الله خير

  10. ٦
    سبحان الله

    من زمان افتقدنا مقالاتك دكتورة هند .. وكعادتك مقال يزداد روعة وجمالا

  11. ٥
    محسنة

    سأكمل بعون الله تدوين بعض تجاربي ؛ لئلا أدرس الابتدائية مرتين، ولربما كفت غيري من إعادة ذات المرحلة، يالك من متألقة ياهند🌷

  12. ٤
    منى

    تجلية بديعة ، وكشف مضيء ،نعم قد تعطل الذهن وتوقف العقل ،لا ننكر فضائل النت ولكن التضحيات كانت كبيره ، قبل أيام كنت أقول ليتنا نرجع للقلم فندون مقتنياتنا لنحفظها فنحن لا نعلم متى تنتهي صلاحيته فنفقد ما بجوفه من كنوز .
    الأيام تجري والساعات تمر كلمح البصر ونحن غير آبهين .الزمن يمضي محملا بما ثقل وزنه وقل ثمنه .. فلنحكم الوثاق على ما تبقى .

  13. ٣
    غير معروف

    روعة جزاك الله خيرا

  14. ٢
    روعة

    روعة جزاك الله خيرا

  15. ١
    فايزة محسن الحربي

    رائعة ياهنودة الحبيبة
    تصوير من الواقع المرير مع التعامل السيء مع شبكات التواصل
    وسيطرتها على اعمارنا وافكارنا بدل من الاستفادة منها بحدود المعقول
    بارك الله بقلمك وابداعاتك