الإثنين، ٤ جمادى الأولى ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٢ ميلادى

المشي وإبطاء إيقاع الحياة

د. صالح بن سعد الأنصاري

كثيرا ما ينشغل الإنسان بالعمل لساعات طويلة وبالتنقل من شغل لآخر، ويغرينا الإنجاز والنجاح بالاستمرار في هذا النمط المتواصل من الإنتاجية وبالانخراط في مزيد من الأعمال دون توقف… وقل ما يخطر ببالنا أن نترك العمل أو أن نبطئ وتيرة التفكير في الالتزامات ومتطلبات الإنجاز، وكثيرا ما نشعر بالحاجة لمزيد من الوقت ومزيد من التركيز والطاقة لإنجاز ما بأيدينا وإكمال المتأخرات ملاحقين جداول ومواعيد تسليم لا تنتهي.

إن استمرار هذا الإيقاع عالي الوتيرة الذي تميز به عصرنا الحاضر وأسهمت فيه التقنية والسرعة واختصار الزمن ولم يكن جزءا من تاريخ البشرية ولا طبيعتها. فنحن بحاجة إلى التوقف وإبطاء إيقاع الحياة بطريقة إيجابية وبانتظام، بل إن ذلك الإبطاء أصبح أكثر ضرورة وإلحاحا في زمننا هذا.

تقول ربيكا سولنت في كتابها “المشي وتاريخ الحضارات” ما نصه “العقل البشري يعمل بسرعة ستة كيلومترات في الساعة” وليتأقلم الإنسان مع هذا المعطى الفطري في طاقة الدماغ وجهد الإنسان ولياقته وسرعة تفكيره فإنه بحاجة إلى إبطاء سرعة العصر في عصر السرعة.

إن السرعة التي تميز بها عصرنا أصبحت مرهقة للبشر. فسرعة الإنترنت ووسائل التواصل ووسائل النقل اليومي بالسيارة أو بين الدول بالطائرات وقدرة الإنسان على إنجاز أعمال كثيرة في وقت قصير شيء غير طبيعي في تاريخ البشر، ووضع الإنسان تحت ضغط شديدـ، فالآخرون من حولنا ينتظرون إنجازا سريعا وبالذات في مجالات التواصل وهو من أكثر ما يستغرق وقتا من أعمارنا وهذا المجال من الأسرع تطورا.

أصبح التواصل البشري التقليدي “البطيء” الذي يحتاجه الإنسان مع نفسه ومع الآخرين أصبح نادرا، وهو مما يحتاجه لصحة نفسية وعقلية وعاطفية أفضل. ولقد تحول جزء كبير من هذا التواصل إلى تواصل افتراضي أكثر من أي وقت مضى. فقد أصبحنا كبشر أكثر حاجة لتجديد الطاقة وإلى لتفكير الملي والمبدع.

إن هذا الإبطاء مطلوب كجزء من بشريتنا وطبيعتنا تجعلنا نعيد التفكير ببطء في أشياء كثيرة جدا. ولو تساءلت عن أسباب الإحباط والتوتر والقلق والسمنة والأمراض المزمنة في عصرنا الحديث لوجدت أن جزءا منها يحدث بسبب الإيقاع السريع للحياة، فليس لدينا من وقت لنفكر في أكلنا ونومنا ونشاطنا وعلاقاتنا وفي عبادتنا لله، فكل شيء يحدث بشكل سريع يحتاج لإبطاء التفكير وإعادة وللتخطيط بانتظام.

فكرت ذات يوم أن أكتب مقالا بعنوان “ماذا خسر العالم بفقد المشي” فقد خسر البشر المشي بانتظام ومعه الكثير من الصحة والتواصل الطبيعي… وفقدوا أيضا المشي كأفضل وسيلة كانت ممارسة على نطاق واسع وتسهم في إبطاء إيقاع الحياة. والعادات التي أصبحنا نتداولها للخروج من روتين الحياة وإبطاء إيقاعها السريع مثل جلسات التأمل وجلسات التخطيط والقراءة والسفر والرياضات العنيفة والتنافسية والنوم المبكر وضبط إيقاع النوم، وممارسات اليوقا إلح.. تقل كثيرا عن المشي في قدرتها على إبطاء إيقاع الحياة.

إضافة إلى ما يقدمه المشي بانتظام للإنسان في صحته الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحية. فهو من أجود ما نمارسه لنفكر بإبداع وتركيز، ومن العادات المفتاحية التي تمهد الطريق للوصول للأهداف، فهو أقوى الوسائل وأكثرها تلقائية في جلب الأفكار، بل إن الانتظام في المشي يسهم كثيرا في إعطاء مشكلات الحياة والعمل وضغوطها حجمها وأهميتها الحقيقية لا أكثر، إضافة إلى تجديد الطاقة وطرد الخمول وتحسين المزاج وكفاءة الإنجاز

أما إذا أضفنا إلى حياة المشغولين من حين لآخر إبطاء إيقاع الحياة من خلال المشي في الهواء الطلق ورحلات المشي في الطبيعية “الهايكنج” فإننا سنضيف نوعا عميقا من المشي التأملي، وكثيرا من التحفيز على مراجعة النفس والتفكير “خارج الصندوق” ودفعات من الأفكار الإبداعية، والكثير من تعزيز الصحة النفسية، ومعالجة الاكتئاب. وهذا مما تظافرت عليه الابحاث والتجارب المتكررة لدى ممارسي الهايكنج.

ليسمح لي المشغولون على كثرة واختلاف مشاغلهم وإلحاحها بأن أقول لهم “إذا كنت مشغولا فعليك بالمشي” فقد اشتهر كثير من القادة والمبدعين والفلاسفة بممارسة المشي، وعادة ما يكونون خبراء في إبطاء إيقاع حياتهم. فسرعة الإنجاز في حياتهم ليست ميزة بل عيبا، فكثيرا ما يدرك الناس بعد فوات وقت طويل أنهم أجهدوا في صعود الأدوار العليا ليكتشفوا أنهم كان يصعدون البناية الخطأ. أو أن هناك مصعدا لم يستخدموه لانشغالهم بالصعود فقط.

ومن تجربتي في الانتظام في المشي وجدته الأفضل في إبطاء إيقاع الحياة، فممارسة المشي كل يوم يجعلني أجدول التأمل في كل شيء وبشكل تلقائي. وأعطيكم على ذلك مثالا… أتذكر في فترات الشباب من كان ينصحنا باستكمال أركان الثقافة من الكتب والروايات التي يوصي بها المثقفون وقالوا عنها أنها مما لا يسعك الجهل بها، إلا أننا لم تتح لنا الفرصة لاستكمال هذه القائمة من المقروءات الثقافية التي تساقطت مع تسارع إيقاع الحياة، إلا أني اهتديت مؤخرا إلى تطبيق يوجد عليه الأف الكتب المسموعة ومنها رواية استمتعت بها مؤخرا وأنا أمشي وقد كنت أتمنى قراءتها منذ زمن بعيد وهي رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للكاتب السوداني الطيب الصالح. وكثيرا ما يخبرني أصدقاء المشي كيف عادوا إلى أنفسهم ورتبوا اهتماماتهم في الحياة، وعرفوا (وين الله حاطهم)

ومما قد يخطر لك وأنت تبطئ إيقاع الحياة بالمشي سماع تفسير لسورة الفاتحة أو تدوين يومياتك أو تتذكر زملاء وأصدقاء لم تتواصل معهم من سنوات طويلة، أو إلى علاقة مقطوعة مع صديق أو قريب حان وقت العودة إليها، أو مشكلة صحية تؤثر عليك وقد أهملتها، فإبطاء التفكير من خلال المشي بانتظام قد يعيد إليك مثل هذه الأولويات ويجعلها مهمة. وقد يحميك من أن تصبح روبوتا يحركه الجميع نحو أولوياتهم هم وتنسى في سرعة إيقاع الحياة أولوياتك. وقد تدرك بعد سنوات طويلة أن معظم ما انجزته كان من أولويات الآخرين وليس من أولوياتك أو خططك.

فقط ابدأوا بالمشي والانتظام فيه تبطئوا إيقاع حياتكم، وستجدون أنفسكم عدتم لتحصيل الكثير في حياتكم الجسدية والنفسية والاجتماعية، وأضفتم جودة عالية إلى حياتكم، وكما يقولون “المشي والرياضة لا تضيف أياما إلى حياتك بل تضيف حياة إلى أيامك” ويصبح عمرك الذي كتبه الله لك عمراً حياً نابضاً بالحياة

 

ودمتم سالمين

د. صالح بن سعد الأنصاري

مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة

 المشرف العام على مركز تعزيز الصحة

@SalihAlansari

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *