الإثنين، ٤ جمادى الأولى ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٢ ميلادى

فعلتها بنفسي ونجوت من السكري

د. صالح بن سعد الأنصاري

كنت يوماً في نشاط مشاة الرياض الأسبوعي في مشي المسافات الطويلة في وادي حنيفة حيث يمشون 21  كيلومترا كل سبت، وذكر صديقي رجل الأعمال الأستاذ حبيب الحبيب قصة الموظف لديه الأستاذ أحمد الراشدي الذي نجا من مما نسميه “المتلازمة الأيضية” وحالة “ما قبل السكري” وتواصل معه على الهاتف ونحن نمشي، ونقلت قصته في سناب شات ذلك اليوم وعلقت عليها، ورأيت أن أحرر معه قصته وأقف معها وقفات….. يقول أحمد: عمري 42 سنة وأنا يمني مقيم في الرياض منذ 12  سنة. أحبيت سرد قصتي لكل من تصل إليه.

“كانت حياتي في جوانبها الصحية عبثية; أكل بلا حدود ولا مواعيد ولا يفرق بين ما هو صحي أو غير صحي من الطعام والمشروبات والحلويات، وبعدها خمول يتلوه تعب ونوعية نوم سيئة وإمساك وغازات.. إلخ وكان وزني 75  كلجم وبدأت قصتي مع الصحة منذ صيف 2021، حين كنت في إجازة في اليمن وأصبت بحمى شديدة جداً استمرت ثلاثة أسابيع وبعد الذهاب الى المختبر وعمل فحوصات قال لي الدكتور أن لدي سكر في البول وكانت نتيجة السكر العشوائي في الدم 200  ملجم وعدت من الغد لتحليل السكر وأنا صائم وكان 126 ملجم وبعد ساعتين من الإفطار كان السكر 160 ملجم ولم يرشدني الدكتور بأي شيء بل أعطاني علاج الالتهابات ولم يخطر بباله أن يخبرني بأنني قد أكون في مرحلة “ما قبل السكري” لكي التزم في الأكل أو الرياضة….

بعد شهر عدت إلى السعودية وبدأت أبحث على الإنترنت عن هذه الأرقام وعن مرض السكري فوجدت أنني قد أكون في مرحلة “ما قبل السكري” وعرفت خطورتها، فإما أن ألتزم وأعود إلى الطبيعي أو أن يتطور المرض إلى سكري كامل الأركان. وأخذت أبحث ليل نهار في كل المواقع العربية والأجنبية مستعينا بمترجم جوجل، لأقرر ما أفعله وكنت آخذ ما يتناسب معي وأترك ما لا أقتنع به، وقررت أن أغير نمط حياتي علما بأنني عرفت أن البعض يوصي في هذه المرحلة بتناول منظم للسكر، لكني اخترت التعافي الطبيعي من خلال نمط حياة صحي جديد.

بدأت أولا برياضة المشي، ولأنني لا أجد وقتا كافياً فقررت أن أمشي في المكتبة وكانت مساحتها كبيرة وفي الصباح الباكر حين يكون عدد الزبائن قليلا، وخصصت فيها ممرين أمشي فيهما مشيا سريعاً، وبدأت بأربعين دقيقة في أول الدوام وأخرى مثلها آخر الدوام. كما قطعت السكر وكل الحلويات والخبز. وبعدها بأسبوع أصبت بضعف في الرؤية الليلية فقلقت كثيرا وقلت في نفسي “مسني الضر” وهذه مقدمات سكر وكولسترول وعشاء ليلي…. وبدأت في مزيد من البحث والاطلاع، وكنت أمارس الرياضة في أوقات أوسع في نهاية الأسبوع حيث أمارس المشي السريع ومشي المسافات الطويلة بعشرات الكيلومترات.

أصبح نصف أكلي سلطة وخبز أسمر، وقطعت الأرز وكل أنواع الحلا واعتمدت على البقوليات بعد نقعها حوالي عشر ساعات، وأدخلت في نظامي الصحي الحلبة والكركم والكمون ومشروب ورق الغار ومشروب الكاكاو والشاي الأخضر والبردقوش واليانسون والبابونج وحبة البركة وحبوب القطون والخروب الحلو، وكنت أتساءل لماذا لا يرفع الحلا الطبيعي (الخروب مثلا) السكر؟ إلى أن عرفت أن السكريات في الخروب “سكريات خماسية” لا ترفع السكر وفيه ألياف بنسب كبيرة وهذه الألياف تسحب الكولسترول من الجهاز الهضمي.

وتحت هاجس الهروب من السكري والخوف من مضاعفاته، استخدمت جميع المكسرات بالذات الجوز، وأصبحت أستخدم خل التفاح العضوي وخل العنب البلسمي وزيت الزيتون البكر الممتاز العضوي من جميع المنتجات في العالم دون التقيد بمنتج معين. وكونت “صيدلية” من البهارات في بيتي وعملت جدولا لاستخدام أحدها بشكل دوري وأبادل بينها دوريا على مدار الأسبوع لأحصل على المفعول الأفضل ولا تحدث لي أعراض جانبية من تكرار نوع معين، لكني استمريت في استخدام زيت الزيتون وخل التفاح دون انقطاع. وأصبح الروتين الأكثر اعتيادا هو تناول الكثير من البقوليات والكوسا والباذنجان والبطاطا الحلوة والبامية والملوخية، إضافة إلى التونة والساردين مرتين في الأسبوع.

أما السلطة اليومية فلا تقل محتوياتها عن عشرة أصناف تشمل التفاح والبرتقال والكيوي والبخارة والكمثرى والمكسرات والكركم والخل وزيت الزيتون، مع إضافة والموز الاخضر أحيانا لأن معيار المؤشر الجلايسيمي فيه 30  مقارنة بالموز الأصفر (52) كل هذه الأغذية أخذها وقت العروض والتنزيلات من خلال تطبيق بتابع العروض والتخفيضات في مختلف الأسواق.

استمريت في المشي والأكل الصحي ونزل وزني من 75  إلى 59 كجم خلال حوالي خمسة أشهر وكان في صحن السلطة الذي استخدمه ما لا يقل عن عشرة أنواع من الخضار مخلوطا بالزبادي وثلاث ملاعق من زيت الزيتون وخل التفاح والمكسرات والشوفان وحبوب السمسم. ومما تعلمته من الانترنت قطع الإفطار نهائيا. وكنت أكتفي بنصف قرص من الخبز في الغداء والنصف الاخر في المغرب، وكنت أجمد الخبز الأسمر في الثلاجة وأحمسه قبل استخدامه في الفرن، فقد وجدت في دراسات نشرت عام 2019 تؤكد أن هذه الطريقة تخفض المؤشر الجلايسمي للخبز بنسبة تصل إلى 40%. كما كنت أكثر من البقوليات والسلطة والمكسرات. وفد خففت من الرياضة بعد أن نزل وزني، رغم أن سرعة فقدي للوزن كان كما يجب (بمعدل نصف كيلو إلى كيلو في الأسبوع)

بعد خمسة أشهر أعدت الفحص فوجدت نزولا في نسبة السكر التراكمي من 6.1  إلى 4.9 % وفي الكولسترول من 219 إلى 119  ملجم والدهون الثلاثية من 149 إلى 129 ملجم. أما قياس السكر الصائم فقد نزل من 126 إلى 95  ملجم وبعد الاكل بساعتين من 160 إلى 98  ملجم علما بأني تعنيت تناول صحن من الأرز مع السمك قبل الفحص بساعتين لكي أتأكد من الحرق. ولله الحمد، فرجعت أكل كل شيء ولكن متبعا قوله تعالى “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا” فقد خففت الأكل وكنت أكل كل شي لكن بقدر محدد، وأصوم يومياً صياما متقطعا يمتد إلى  19 ساعة فتكون آخر وجبة بحدود المغرب وأتناول الغداء ظهرا، فقد ألغيت الإفطار تماما من حياتي، وبالتدريج أصبحت لا اشعر بالجوع ولا أعترف بشي اسمه “اليوم المفتوح”

مريض السكر من النوع الثاني ليس مريض وإنما تتغير حساسية جسمه مع الطعام مثلما يعاني الناس من الحساسية من بعض الأطعمة. وفي حالات السكري من النوع الثاني يعمل البنكرياس بشكل جيد ولكن بنسبة 60 إلى 70% ويتناسب ذلك مع الأكل والشرب الكافي، إلا أن الكثيرين يتناولون من الطعام فوق طاقة البنكرياس.

والدليل على أن هذه الأمراض متعلقة بأنماط الحياة، أن من يصابون بهذه الأمراض المغتربون فقط. أما أهل البلاد عندنا فيعمرون فوق الثمانين بصحة وحبوبة. وهنا أرسل رسالتي للأطباء بأن يجعلوا العلاج الحل الأخير، ويأتي قبله النمط الصحي والنشاط البدني ويبقى العلاج مكملا أو بعد فشل تعديل أنماط الحياة وارتفاع الخطورة.

ولقد تأثرت كثيرا بنصائح الرئيس التنفيذ الأستاذ حبيب وحديثه عن المشي وعن تجاربه قبل وبعد المشاركة مع مشاة الرياض. كما تأثرت بالكثير مما وجدته على اليوتيوب ممن وثقوا تجاربهم ومعاناتهم مع الأمراض التي أصابتهم بعد التساهل في الالتزام بأنماط الحياة. كما كان لاطلاعي المكثف على الإنترنت مفيدا جدا. ومن أكبر التحديات التي واجهتها أن الغذاء الصحي والمنتجات العضوية مكلف نوعا ما، فأصبحت أبحث عن البدائل الأرخص، وأضفت تناول B12 لأعوض نقص البروتين وألا أخسر الكثير من أنسجة العضلات.

لقد كان التحسن الذي حدث بالمشي كبيراً جداً، فقد كنت أشعر براحة نفسيه وأفكر كما لو كنت في اليمن أمشي يومياً بين المروج الخضراء والشلالات أصعد جبلاً واًنزل جبلاً واستنشق الهواء الطلق فهذا الإحساس يراودني أول ما أبدأ الرياضة فأعيش بالرياضة لحظات سعيدة.

المشكلات الصحية التي تخلصت منها

التعرق الليلىي

تخلصت من النظارة

انقطاع التنفس أثناء النوم

أعراض البواسير التي لم ينفع معها العلاج

الإمساك علما أني كنت مصاب بإمساك مزمن

الخمول والكسل، فقد عدت نشيطا وحيويا كأيام الطفولة

شحنات الكهربائية الساكنة التي كان تصدر من لمس أشياء محددة

صعوبة الدخول في النوم والأرق، وقد كنت من قبل أميز أن كنت مستيقظا أو نائما

تغير الضعف الاداء الجنسي كثيرا، فلم أتوقع أن بتحسن كما حدث رغم فقدي لوزن كبير

ولله الحمد، وبسبب القناعة وتحمل المسؤولية والإصرار على التغيير، لم أعش أي لحظة يأس أو انتكاس رغم الانتقادات من حولي، فقد كنت لا أهتم بها. بل إن بعض من كانوا ينتقدون رجعوا يسألونني كيف وصلت للنتيجة التي وصلت إليها، ويستفسرون ويطلبون إرشادي، وأصبح البعض يتندر بمناداتي يا دكتور…! كما أحمد الله على أني لم أجد أي صعوبة ولم يعد هناك مجال للعودة إلى حياة الفوضى والعبث بالصحة فهي أغلى ما نملك خصوصا بعد الأربعين.

أنصح من يريد البدء بألا يلتفت للمحبطين والمنتقدين من أجل الانتقاد، فمرضك لن يحمله غير جسدك، أنصح بالصبر والمواصلة فبالعزم والتعود بصير نمط حياة تلقائيا ولن يسهل عليك العودة إلى الحياة السابقة. واقترح على المبتدئين إذا أرادوا تحقيق اهدافهم ترك الصحبة التي ليس منها إلا العبث بالصحة وما يلوها من ويلات، والبحث عن أصدقاء جدد تتحرى معهم حياة جديدة، أصدقاء ذوي اهتمامات راقية يهتمون بأنفسهم وصحتهم، تستفيد من خبراتهم وتجاربهم”

هذه قصة أحمد مع “المتلازمة الأيضية” وحالة “ما قبل السكري” وقد يقول قائل أن هذه مجرد تجربة فردية، ولنا أن نأخذ منها ونرد، وأن كثير من قرارات أحمد كانت بعيدة عن المشورة والإشراف الطبي، لكنه فعلها ونجا. ولعله كان يتبع (من دون أن يعرف) إحدى المدارس الطبية الناجحة في الغرب. وقد يكون علينا نحن في التخصصات الطبية الاستفادة منها. بل علينا أن نعترف بما قد كانت تؤول إليه حياته وماذا قد يكون في انتظاره من بقية المتلازمة الأيضية ومضاعفاتها لو استفاد من تجربة الطب العلاجي الحديث دون هذا التغيير المكثف للسلوك واختيارات النمط المعيشي لتي لم ينصحه بها أحد الأطباء الذين مر عليهم… أسئلة أتركها مفتوحة لنقاش طويل….. ودمتم سالمين

 

د. صالح بن سعد الأنصاري

 مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة

المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *