الإثنين، ٤ جمادى الأولى ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٢ ميلادى

خبراء التعاسة

محمد بن سعد العوشن

يتنقل المرء في حياته بين الفرح والحزن، باعتبارهما مشاعر إنسانية متضادة، لها عواملها وأسبابها.

ومن تأمل حال الشريعة الإسلامية وجد أنها ربطت الفرح بإنجاز الطاعات والفراغ منها، فكان عيد الفطر بعد الانتهاء من صيام شهر رمضان وقيامه، وكان عيد الأضحى بعد انتهاء مناسك الحج، واعمال عشر ذي الحجة.

فالفرح بالطاعات والنجاحات التي هي فضل من الله، ومنة منه، فرح محمود غير مذموم، كما قال تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)

وفي زماننا هذا فإننا أحوج ما نكون إلى التفاؤل، ونشر الأخبار السارة المبهجة، والابتعاد عن مساعي “التدمير الذاتي للفرح” التي يسلكها البعض تحت ذريعة الحدس و سوء الظنون!

التدمير الذاتي الذي يمارسه البعض يجعل الواحد لا يرى الفرصة إلا استدراجاً، وإذا رأى الفرح على الوجوه ردد “الله يستر من آخر هالفرحة”ّ!، فالتشاؤم لديه أصل ثابت، ودليله: قلبه القلق غير المطمئن.

فإذا سمع هذا “المتشائم” او شاهد نجاحا أو روي له؛ بادر على الفور بالتدمير ومنع نسمات الفرح من التسلل للنفوس، من خلال التشكيك في الأمر او في صحة المعلومات، ودقتها، فلديه شعور داخلي دائم بعدم استحقاق النجاح.

فإن ثبت له *صحة المعلومات* ، كان تعليقه أن العبرة ليست بالأرقام والنتائج الظاهرة، بل بمدى تحقق الأثر في الميدان.

فإذا وجد *الأثر* فعليا على أرض الواقع، رأيته غير مسرور كذلك، تحت ذريعة العمل المفضول، و العمل الفاضل، فتراه يشير إلى ان هذا العمل لو كان في موضع كذا، او موجها لمجال كذا لكان أعظم أجراً وأكثر نفعاً!

وربما نقل الحديث إلى موضع آخر مشيرا إلى “أن العمل الصواب ليس هو المهم، بل الأهم ان تكون النوايا صادقة، فالنوايا هي مربط الفرس، وأنه ربّ عمل كثير أحبطته نية صاحبه!”

وهكذا، كلما أجبت له عن *”وهم”*؛ انتقل بك إلى آخر، فمهمّته التي يكافح من أجلها، وسلوكه الاعتيادي أن يخالف السائد من خلال قتل البسمة، ووأد الفرحة، وتكسير المجاديف، والوقوف في وجه كل خبر سار، مفترضا الخطأ، أو النوايا غير الحسنة في الجهات والأشخاص، تحت مسميات براقة كـ “الوعي” و “العمق” و “الحذر” !.

وغالبا ما يكون هؤلاء *”المُدمِّرون”* على قارعة الطريق، بطّالون، دون عمل جاد وفاعل، تقتصر مهمتهم على نقد المارين والعابرين، يتجاوزهم الناس وهم لازالوا على “مركاز” التشاؤم جالسون.

إن الاعتراف بالنجاحات، والفرح بها، والاحتفاء بها وبأهلها هو الأصل الذي لا محيد عنه، فواجبنا أن نفرح، ونظهر الفرح بكل نجاح يتم تحقيقه، ونبارك للناجحين، ونحثهم على الاستمرار، وتأتي المراجعات والملاحظات تاليا، فالذكاء العاطفي يجعلنا نلبس لكل حالة لبوسها، ونعطي كل وقت حقه ومستحقه.

وختاما ،،

فإن هذا الحديث عن الاحتفاء بالنجاحات، وعن *”خبراء التعاسة”* حديث عام، ليس موجّها لأحد بعينه، أما من ظن أنه المقصود به، فربما كان ظنه في محله، فكل امرئ أدرى بنفسه.

دمتم بكل خير،،،

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

4 / 3 / 1444

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *