الأحد، ٣ جمادى الأولى ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ ميلادى

رسالة مواساة لكل مكروب ومهموم(1)

فيصل بن محمد القعيضب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد : فقد طبع الله الدنيا على الكدر والكبد والمشقة ، وذلك لأنها ليست بدار مقر بل دار ممر والأمر كما قال أبو الحسن التهامي:

حكم المنية في البرية جارِ ***** ما هذه الدنيا بدار قرارِ

بينا يرى الإنسان فيها مخبرا ***** حتى يُرى خبراً من الأخبار

طُبعتْ على كدر وأنت تريدها ***** صفواً من الأقذار والأكدار

ومُكلّفُ الأيام ضد طباعها ***** مُتطلبٌ في الماء جذوة نار

وإذا رجوت المستحيل فإنما ***** تبني الرجاء على شفيرٍ هار

فالعيش نوم والمنية يقظة ***** والمرء بينهما خيالٌ سار

وقد قال الحسن البصري في تفسير قوله تعالى ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)) يكابد أمراً من أمر الدنيا ، وأمراً من أمر الآخرة – وفي رواية : يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.

ولو فتشت في حياة كل إنسان لوجدت عنده من الهموم والأحزان والمصائب الشيء الكثير ، ولكن الناس يختلفون في مقدار التعامل مع هذه المصائب وتقبلها والتعامل معها ، فمنهم من تكتنفه المصيبة وتحيط به إحاطة السوار بالمعصم حتى كأن الحياة منحصرة فيها ، ومنهم من يتقبلها ويتعايش معها ، بل يصل الحال ببعض الناس العيش وكأنه خلو من المصائب حتى أن من يراه لا يظنه أصيب في حياته بمصيبة ، مع أن حياته مليئة بالكدر والمنغصات… ولكنه فن التعامل مع المصائب ، ولعلي أذكر في هذه المقالة والتي بعدها شيئاً من المسليات والقواعد في التعامل مع المصائب ، والتي بإذن الله تساعد في تخفيف المصيبة والتعايش معها ، بل وحمد الله عليها لما فيها من تكفير للسيئات ورفعٍ للدرجات …

فمن قواعد التعامل معها أن تعلم أن 1ــ  كل شيء بقضاء وقدر ، كما قال تعالى ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ ، وقال تعالى ﴿ ما أصاب من مصيبةٍ إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه ﴾ قال علقمة:(هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيُسلِّم لها ويرضَى) وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ : ((كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ : وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)) وهذا الحديث فيه تسلية عظيمة لمن تأملها وفقهها ، فإن مايصيب الإنسان من هموم وغموم …  مكتوب في اللوح المحفوظ ، ومقدر من عند الله فلِمَ الهم والغم وهو لن يُذهب شيئا لأنه مكتوب  ، ثم تذكر أن  ما أصابك من الفجيعة والمصيبة إنما هو بقدر الله، لم يأت من عدو ولا حاسد، وإنما هو من أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين ، أفيحسن بالمسلم  أن يعترض على مولاه!

2 ــ ومن ذلك المعرفة الحقيقية للدنيا وأنها (سجن المؤمن وجنة الكافر) فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال النبي ﷺ ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ )) رواه مسلم ، قال الشيخ ابن عثيمين :(معنى هذا الحديث أن الدنيا مهما عظم أمرها، وطابت أيامها، وزهت مساكنها، فإنها للمؤمن بمنزلة السجن لأن المؤمن يتطلع إلى نعيم أفضل وأكمل وأعلى، وأما بالنسبة للكافر فإنها جنته لأنه ينعم فيها وينسى الآخرة، ويكون كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُم﴾، والكافر إذا مات لم يجد أمامه إلا النار والعياذ بالله، وويل لأهل النار، ولهذا كانت الدنيا على ما فيها من التنغيص والكدر والهموم والغموم كانت بالنسبة للكافر جنة، لأنه ينتقل منها إلى عذاب النار والعياذ بالله، فالنار بالنسبة له بمنزلة الجنة، وذكر عن ابن حجر العسقلاني رحمه الله صاحب فتح الباري وكان هو قاضي قضاة مصر في وقته كان يمر بالسوق على العربة في موكب، فاستوقفه ذات يوم رجل من اليهود، وقال له: إن نبيكم يقول: «إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، وكيف ذلك وأنت في هذا الترف والاحتفاء، وهو يعني: نفسه اليهودي في غاية ما يكون من الفقر والذل، فكيف ذلك فقال له ابن حجر رحمه الله: أنا وإن كنت كما ترى في احتفاء والخدم فهو بالنسبة لي بما يحصل للمؤمن من نعيم الجنة، وأنت بما أنت فيه من هذا الفقر والذل بالنسبة لما يلقاه الكافر في النار بمنزلة الجنة، فأعجب اليهودي هذا الكلام وشهد شهادة حق، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله)

3ــ ومن ذلك المعرفة التامة (بأن الحياة الحقيقية هي الحياة الأخروية ) كما قال تعالى ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)) وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (( يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ : لَا وَاللهِ يَا رَبِّ . وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ : لَا وَاللهِ يَا رَبِّ ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ )) رواه مسلم

وهذا الحديث فيه تسلية عظيمة لكل مصاب ومحزون ومهموم ومريض …فكل نصب الدنيا ومشقاتها وأمراضها وهمومها وغمومها ذهب بغمسة واحدة لأهل الطاعات الذين هم أهل الجنة ، بل إنهم نسوا كل ذلك بهذه الغمسة ، وبالمقابل كل ملذات الدنيا وشهواتها وأفراحها ذهبت بغمسة واحدة لأهل النار ، بل إنهم نسوا كل ذلك بهذه الغمسة.

4 ــ ومن ذلك معرفة أن  ( كل قضاء فهو خير للمؤمن ) كما في حديث  صُهَيْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )) رواه مسلم

قال القرطبي 🙁 قوله : عجبا لأمر المؤمن ؛ إن أمره كله له خير ) المؤمن هنا هو العالم بالله ، الراضي بأحكامه ، العامل على تصديق موعوده ، وذلك أن المؤمن المذكور إما أن يبتلى بما يضره ، أو بما يسره ، فإن كان الأول صبر واحتسب ورضي ، فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما ، وإن كان الثاني ، عرف نعمة الله عليه ومنته فيها ، فشكرها وعمل بها ، فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة .

و ( قوله : ” وليس ذلك إلا للمؤمن ” ) أي المؤمن الموصوف بما ذكرته ؛ لأنه إن لم يكن كذلك لم يصبر على المصيبة ولم يحتسبها ، بل يتضجر ويتسخط ، فينضاف إلى مصيبته الدنيوية مصيبته في دينه ، وكذلك لا يعرف النعمة ولا يقوم بحقها ولا يشكرها ، فتنقلب النعمة نقمة والحسنة سيئة – نعوذ بالله من ذلك)

5ــ ومن ذلك استشعار (إعانة الله للصابرين ) كما قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)) فاللهم إنا نسألك صبراً ورضا ، وأن تجعل لنا وللمسلمين من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية وللحديث بقية بإذن الله …

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

فيصل محمد الـقعيضب

الدلم

14 / 12 / 1443

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *