الأحد، ٢٩ صفر ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٢ ميلادى

لابسات ثياب الزور!

محمد بن سعد العوشن

جاءت نتيجة الدراسة التي أجراها فريق “سينسوسوايد” البريطاني حول الثقة بالنفس ملفتة بشكل كبير، إذ أبانت الدراسة أن 85% من النساء (في بريطانيا) لا يعتقدن أنهن جذابات، وأكثر من نصف النساء لا يعتقدن أنهن محبوبات من قبل الآخرين، كما يعتقد نصف الرجال فقط أنهم أذكياء، وما يقرب من 60% من الرجال غير واثقين من قدرتهم على القيام بأعمالهم، كما أن الغالبية العظمى ممن تتراوح أعمارهم بين 35 و54 عامًا رجالاً ونساء يصرحون بأنهم لا يشعرون بالثقة في مظهرهم الخارجي؛ مما يعني أنهم عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق.

وليس بالضرورة أن يكون مصدر هذه الثقة وجود النقص الفعلي لدى الذين أجابوا على الأسئلة، وإنما تأتي هذه المشاعر من جراء الإبراز المستمر للنساء والرجال ذوي المواصفات الجسدية المحددة، والصور المتكررة للألبسة والمراكب والمنازل الفاخرة والفخمة، والترويج لاعتبارها مصدر ومظهر للسعادة في آن واحد وذلك في وسائل الإعلام الجماهيرية، وشبكات التواصل الاجتماعي، مما يجعل (المقارنات) هي سيد الموقف، وهي أداة الحكم على الذات.

وإن كان من المنطقي رواج تلك المظاهر المتبجحة بالثراء، وملاحقتها، والترويج لها في تلك المجتمعات الغربية الموغلة في المادية، فإنه ليس منطقياً في مجتمعات تدرك أن المال (نعمة من الله) واجبة الشكر، وتعلم أن الواجب على المرء إذا أنعم الله عليه بنعمة، فإنه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، (وأما بنعمة ربك فحدث)، وذلك الحديث عن نعمة الله وإظهارها يأتي في سياق شكرها ونسبتها للمنعم المتفضل سبحانه، والثناء على الله بها، واستخدامها فيما يرضيه.

وهو شيء مختلف تماما عما نراه اليوم من صنيع جملة من المشاهير، وهي ظاهرة لا يمكن تعميمها على الكل، وإنما هو حال الغالبية – وللأسف-.

 فما تفعله بعض تلك المشهورات في وسائل التواصل، وما يقمن ببثه عبر الشبكات المختلفة هو أمر في غاية الخزي والعار، فهو استعراض رخيص للأجساد، وجلب للمزيد من المتابعين والمشاهدين والمعلنين من خلال البحث عن مواضع الإثارة، بالتعري، وارتداء القليل من اللباس، وبيع الجسد في سوق النخاسة الإلكتروني.

ومع كل فضيحة جديدة، يزداد عدد متابعي أولئك المشاهير، وتزداد الإعلانات لديهم، وتزداد إيراداتهم، ذلك أنها باتوا يتكسبون بالجسد، إذ غالب أولئك التافهين لا يملكون شيئا آخر يمكنهم أن يجلبوا المشاهدات بسببه، فلا علم ولا إنتاجية ولا أثر ولا إنجازات في الحياة.

ولأن كثيرا من أولئك المشاهير – رجالاً ونساء – جاءت إليهم الأموال بشكل مفاجئ لم تصل إليه أقصى أحلامهن قبل التعري والشهرة، فإنهم – وبحكم حداثة النعمة عليهم – مع التدني في الوعي، يعيشون في حالة غير طبيعية في التعامل مع المال، ومن علامات ذلك: الإسراف في إنفاق الأموال، والتباهي بها، ومحاولة إظهار الثراء في اللباس والطعام والشراب، والمسكن والمراكب، والذهاب للمنتجعات الفاخرة التي لا يأتيها عادة إلا كبار الأثرياء، والأهم من ذلك كله : توثيق ذلك وإعادة نشره والتفاخر به أمام الناس، وكسر قلوب الفقراء، بل وعامة الطبقة المتوسطة العاجزين عن المجاراة، خصوصا من المراهقين والمراهقات الذين يرون هذا الاستعراض الفج، والإنفاق الكبير على الكماليات، ويجعلهم دائما في حالة من الانكسار الفعلي، الناتج عن الفارق الضخم بين رغباتهم التي أشعلتها تلك الفئة من حديثي العهد بالنعمة، وبين مقدراتهم المالية وإمكانياتهم المادية.

وتعتري أولئك المشاهير حالة من الزهو والفخر والخيلاء الملازمة لهم، مع أن الله تعالى وصف أهل الآخرة بأنهم الذين (لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا)، ولو استعرضنا وصايا لقمان، لوجدنا قول الله تعالى واضحاً جلياً لا يقبل التأويل: (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور)، وقول النبي ﷺ الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر).

 إن ما تفعله تلك الفئة فضلا عن كونه استعراضا محرما بالأجساد، وهبوطا متعمدا في الأطروحات، فإنه تكبّر وتفاخر وتعال على الناس، وكفر بنعمة الله تعالى، وإنفاق للمال في غير وجهه، ومجاهرة بذلك السوء كله أمام العالمين، وهو حال مختلف كليا عن حال العاصي المستتر بذنبه، النادم عليه، الذي يخشى عاقبته، ويسأل الله السلامة منه.

 وتأثير ذلك السلوك السلبي على المجتمع، وتبعات صنيعهم كثيرة، وما أحوج العقلاء إلى التنادي لضبط جماح أولئك المشاهير رجالاً كانوا أم نساء، وحماية المجتمع وأخلاقه وقيمه الأصيلة من تلك الممارسات الشاذة، التي يفعلها نفر من أبناء جلدتنا، ممن يتحدثون بلغتنا، ويتجولون في شوارعنا وأسواقنا، ويكسبون المزيد من الأموال على حساب أخلاقنا وقيمنا وأجيالنا ووطننا.

دمتم بخير ،،،

محمد بن سعد العوشن

@bin_oshan

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *