الأحد، ٢٩ صفر ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٢ ميلادى

خطيب الحرم يودع كتبه واقفا!

أحمد العساف

في مشهد مهيب، وحفل احتشد فيه العلم والإمارة والإدارة والإعلام، وقف إمام الحرم وخطيبه الأبرز معالي الشيخ أ.د.صالح بن عبدالله بن محمد بن حميد أمام أولئك النفر الكريم ليعلن بصوت تقطعه زفرة، وبكلمات تتخللها عبرات أنه قد استن بسنة ماضية، فأوقف كتبه التي جمعها في ستين عام ماضية، لتصير ضمن خزائن الكتب في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. وكتب الشيخ نصّ الوقفية وفيه ثناء محب على الكتاب والقراءة، وفيه نصيحة عملية من مشفق لأصحاب الكتب وملاك المكتبات الشخصية عسى أن يقتدوا حفاظًا على الغاليات الكريمات مما قد ينقص من فوائدهن، أو يجلب الإهمال لهن، والله يحميهن.

يبلغ عدد العناوين خمسة عشر ألف عنوان تقريبًا، تقع في قريب من ضعف هذا العدد من الكتب والمجلدات والرسائل، وتصنف إلى عشرة أقسام، من علوم الشريعة واللغة والأدب والتاريخ والمعارف العامة والرسائل الجامعية، وفيها القديم والحديث، والنادر والمتاح، وقد جعلت في مكتبة الجامعة بتصميم نجدي قديم لافت، مثلما جعلوا مكتبة العلامة المحدّث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بتصميم شامي جميل.

ولقد كان الشيخ يصوغ من فضة كتبه ذهبًا، ومن متناثرها عقودًا مضيئة فيها الدروس والخطب والفتاوى المحفوظة والمنتشرة؛ ولذا فليس بغريب أن بكى وأبكى ساعة الوداع لتلك الأثيرة وأفرادها وأوراقها وصوتها ومنظرها الألق، وروائحها الزكية. وليس بيسير صنيعه فهو أشقّ من صرف المال، ذلك أن أكثر من ينفق المال يبقي أكثره؛ بينما جاد الشيخ بكتبه كلها، ولم يستبق لنفسه منها غير جميل الذكرى، ولذيذ العاقبة المنشودة.

فمع كل كتاب ذكرى والد أو ولد، ودرس مع شيخ أو تلميذ، وخبر عند أخ أو صديق، وقصة لمذاكِر أو زميل، هذا غير ما فيها من ذكريات الاقتناء والإعارة والإهداء، وتعليقات المدارسة والنظر، والإحالات وربما الشروحات والاعتراضات، وأخبار الحضر والسفر، وإنها لمستودع لمسيرة الأيام والليالي، وفيها حكاية الجدّ والطلب والبحث، وقصة المكتبة والكتاب، وهي سردية ليست عابرة؛ ذلك أنها ارتبطت بإنسان دب ودرج وشاب واكتهل وشاخ، والكتاب رفيقه الأهم، وصاحبه الأصدق، ومعينه الأوثق.

وفي صنيع الشيخ الموفق ملامح وعبر بدت لي؛ يأتي على رأسها أن الشيخ الابن سار على آثار والده الشيخ القاضي الذكي عبدالله بن محمد بن حميد (1329-1402)، وهو الذي سعى لوقف كتب ومكتبات وإنشاء معاهد علم في بريدة ومكة، هذا غير التأليف والتدريس والإفتاء، ولم يقف النجل المشهود له بالبر بأبيه وذكراه وأصحابه وما يختصّ به عند إكمال مسيرة والده في العلم وكثير من المناصب؛ بل صيّره قدوة له حتى في وقف أغلى الممتلكات وأثمن المقتنيات وأعز الأصحاب بصمتهم وعلمهم وخفة مؤونتهم.

كما أن الشيخ صالح يرسم قدوة عملية لأبنائه وبناته وفيهم طلاب علم وأصحاب مكتبات، وهي قدوة متاحة لمن رام أن يفعل مثله من أهل الكتب الذين يخافون عليها خوفهم على ضعاف الذرية، وعسى أن تفتح الجوامع والجامعات والأندية ومراكز الأحياء أبوابها لمثل هذا الوقف الذي يؤكد لنا أن رحابة مدى الأوقاف لا تقف عند المال والعقار وما في حكمها، وإنما تمتد إلى أشياء معنوية وأخرى ليس لها بريق الذهب والفضة. وقد أوقف الشيخ مكتبته في مدينة يحبها وإن لم يسكن فيها، أو يكون من أهلها، وفي ذلكم معتبر لمن أراد الغنيمة، أو النجح في ثاقب النظر، وجليل الأثر.

كذلك من الملامح أن الشيخ الواقف مكتبته جعل وقفه وقفًا ناجزًا غير مؤخر، واختار لوقفه مدينة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وفي جامعتها الإسلامية العالمية؛ ولكأن الشيخ الذي تخرج في جامعة أم القرى بمكة، ودرّس فيها، وأفاد طلبتها وزملائه من علمه، أراد أن يكون له إسهام في الجامعة الإسلامية بالمدينة، ولكأن الشيخ الذي خاطب العالم والمسلمين من فوق المنبر الأقدس بالحرم المكي أراد أن يكون له أثر علمي في جامعة يقصدها المسلمون في كل مكان، وفي مدينة لها موقع في قلب أيّ مسلم، ولكأن الشيخ أراد بعد أربعين سنة من الإمامة في الحرم المكي أن يقول: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي! والله يكتب لنا وله ولمن يقرأ صالح العمل المتقبل، ورضا الرحمن العظيم، وصلاح الذرية، وصادق التوبة، ودخول الجنان مع المسلمين.

إن تلك المكتبة النفيسة هي التي استقى الشيخ منها دروسه، وألّف فيها كتبه، وأعدّ خطبه، حتى سأله الملك فهد ذات مرة على سبيل الإعجاب: كيف تكتب مثل هذه الخطب؟ ودافع عنه الأمير سلطان عقب خطبته الشهيرة عن عناقيد الغضب في أول جمعة تلت موسم الحج الميمون عام (1416)، وأصاخت الآذان مسامعها لخطبته إذا ارتقى منبر الحرم لتسمع العلم والحكمة والبيان الذي يبقى أثره ولا تنمحي ثمرته، وفي السنوات الأخيرة صارت خطبه مجالًا لإبداع الكرام في مواقع التواصل ومسابقتهم بتقسيمها، ونشرها، وترجمتها، ولن نستغرب أن تكون تلكم الخطب الفريدة منغصة على منافق أو كافر؛ فنحن لا نسترضي من لا يرضى!

وكم تمنى الناس أن يكون الشيخ صالح بن حميد خطيب المواسم الكبرى المشهودة لما حباه الله من حسن إعداد، وبراعة تضمين، وجودة إلقاء، وحيوية انتقال وعرض، وهي خبرة أشاعها الشيخ لجمهرة الخطباء في مقدمة كتاب من أربعة أجزاء ضمّ عددًا كبيرًا من خطبه المكتوبة على هيئة مقالات مضمونها واضح، وسياقها عذب، ورصفها فخم، وسبكها متين، وعلمها غزير. ومن الملاحظ أن خطب الشيخ في الأعياد وبعض الجمع ذات المناسبات تكاد أن تلامس القمة في أدائه الخطابي بحكمة ونصح وعلم.

إننا نجد في سيرة الشيخ الواقف كتبه البارحة العلم ونشره بالتدريس في الجامعة، ورئاسة المجمع الفقهي، وعلى كرسي التدريس بالحرم، ونرى فيها وظائف فتيا بعضوية هيئة كبار العلماء والمشاركة في برنامج نور على الدرب، إضافة إلى مناصب إدارية في الجامعة، ورئاسة شؤون الحرمين، ورئاسة المجلس الأعلى للقضاء، ورئاسة مجلس الشورى، ومهام استشارية في الديوان الملكي، ويحيط بذلك ويزينه كما تزين الدرة التاج إمامة الحرم المكي الشريف والخطابة فيه رسميًا منذ عام (1404)، وهو أول إمام يتقدم المصلين بالحرم، ويصعد إلى منبره، بعد حصوله على شهادة الدكتوراه.

هنيئًا للشيخ ورجل الدولة الحصيف ما وفقه الله إليه، وعسى أن يكون باب خير في الاقتداء وتسهيل وقف الكتب، وهنيئًا له هذا التفاعل والقبول، والله يجعله من عاجل البشرى له، ومئنة على الرضا من المولى القدير. ثمّ إن من واجب الشكر والثناء الدعاء لأمير المدينة الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز على الحضور والمشاركة، ولرئيس الجامعة الإسلامية الأمير الدكتور ممدوح بن سعود بن ثنيان على العون والتيسير، وللمحامي الأديب د.محمد المشوح الذي نقل لنا وقائع هاتيك الليلة الشرحة الأنيسة.

أحمد بن عبدالمحسن العسَّاف-الرياض

ahmalassaf@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *