الأربعاء، ٢ ربيع الأول ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٢ ميلادى

حارق الحسنات…وجالب الحسرات!

فيصل بن محمد القعيضب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد : داءٌ خطير وشره كبير ، كيف لا وهو أول ذنب عُصي الله به في السماء ، وأول ذنب عُصي الله به في الأرض من البشر ، من وقع في قلبه فليبشر بالهموم والأحزان ، ومن سلِم منه فليبشر بالهناء ورضى الرحمن …

ولا شك أخي القارئ الكريم أنك عرفت المقصود ألا وهو داء الحسد ، ومعناه كما قال العلماء : ( تمني زوال النعمة عن الغير)

وهذا الداء الخطير لا يسلم منه إلا من عالج نفسه ، ورغّبها ورهّبها ، والأمر كما قال شيخ الإسلام (… والمقصود أن الحسد مرض من أمراض النفس وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا قليل من الناس ولهذا يقال “ما خلا جسد من حسد لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه” وقد قيل للحسن البصري أيحسد المؤمن فقال ما أنساك إخوة يوسف لا أبا لك؟ ولكن عمِّه في صدرك فإنه لا يضرك ما لم تعذبه يداً ولساناً …) وقال ابن الجوزي مبيناً خطورة هذا الداء (والحسد أخسُّ الطَّبائع، وأوَّل معصيةٍ عُصي اللهُ بها في السَّماء: حسَدُ إبليس لآدمَ، وفي الأرض: حسَدُ قابيل هابيلَ).

وهذا الداء الخطير جاء التحذير منه في نصوص  كثيرة ولذلك قال ابن القيم 🙁 أصول الخطايا -كلها- ثلاثة:1 – الكبر، وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره.2 – والحرص، وهو الذي أخرج آدم من الجنة.3 – والحسد، وهو الذي جرأ أحد ابني آدم على أخيه فمن وقي شر هذه الثلاثة؛ فقد وقي الشر ، فالكفر من الكبر، والمعاصي من الحرص، والبغي والظلم من الحسد)

ومن النصوص الدالة على تحريمه وأنه من الكبائر قوله تعالى (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)) قال بعض العلماء 🙁 إنَّ الله جمع الشرور في هذه السورة وختمها بالحسد ليعلم أنه أخسُّ الطبائع).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانًا  )) وعن الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبَغْضَاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشَّعر، ولكن تحلق الدِّين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أفلا أُنبِّئكم بما يثبِّت ذلك لكم؟ أفشوا السَّلام بينكم  ))حسنه الألباني ، وعن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: ((سيصيب أمَّتي داء الأمم، قالوا: يا نبيَّ الله، وما داء الأمم؟ قال: الأشَرُ والبَطَرُ، والتَّكاثر والتشاحن في الدُّنيا، والتَّباغض، والتَّحاسد حتى يكون البغي ثمَّ الهرج)) ومن هذه النصوص وغيرها الكثير يتبين لنا أن هذا الداء كان من أكبر أسباب هلاك الأمم السابقة ، وأنه من أكبر أسباب ما يحصل لهذه الأمة من الشقاق والاختلاف والبغي والتقاتل …

وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: (كلُّ الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها) وقال الحسن البصري: (ما رأيت ظالـمًا أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وغمٌّ لا ينفد) وفي كلام الحسن هذا إشارة لمسألة في غاية الأهمية يغفل هنا كل حاسد ، ألا وهي أن الخاسر الأول والأكبر في الدنيا والآخرة هو الحاسد ، وذلك لأنه يعيش في هم وغم متواصل ولذلك مما يؤثر من جميل الحكمة  قول بعض الحكماء ( لله در الحسد ما أعدله ، بدأ بصاحبه فقتله) فتجد الحاسد همه الناس وما فعلوا ، وكل ما يحصل لهم من أمور  تسر  من أمور الدنيا أو الدين يصيبه ذلك بالأحزان المتواصلة والأمراض النفسية والأمر كما قال أبو الحسن التهامي:

إني لأرحمُ حاسديَّ لحرِّ ما             ضمَّت صدورُهم من الأوغارِ

نظروا صنيعَ الله بي فعيونُهم          في جنةٍ وقلوبُهم في نارِ

وقال غيره :

اصبرْ على حسدِ الحسو                دِ فإنَّ صبرَك قاتلُه

فالنارُ تأكلُ بعضَها                         إن لم تجدْ ما تاكلُه

ولو تأمل الحاسد وتدبر لوجد أنه بحسده يعارض الله ــ جل جلاله ـــ في قدره وحكمه وتدبيره كما قال الشاعر:

ألا قلْ لمن كان لي حاسدًا                أتدري على من أسأت الأدبْ

أسأتَ على الله في فعلِه                   لأنَّك لم ترضَ لي ما وهبْ

فأخزاك عنه بأن زادني                   وسدَّ عليك وجوهَ الطلبْ

والحسد أخي القارئ يقود صاحبه لأعمال مخزية ، بل يقوده لأعظم وأشنع وأقبح ذنب وهو الشرك ، فما الذي منع إبليس من السجود لآدم إلا الكبر وحسده لآدم ، وما الذي منع اليهود من الإسلام بعدما تبين لهم أنه الحق إلا الحسد كما قال تعالى ((وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)) قال في تفسير المنار (وقال:( حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) ليبين أنَّ حسدهم لم يكن عن شبهة دينية، أو غيرة على حقٍّ يعتقدونه، وإنما هو خبث النفوس، وفساد الأخلاق، والجمود على الباطل، وإن ظهر لصاحبه الحق) ومن ذلك أن الحاسد يقوده حسده لفعل السحر والوقوع في الشرك والعياذ بالله ، ومن ذلك أن الحاسد يقع في رذائل الأفعال ومخازي الأقوال من أجل الإضرار بالمحسود ، وقد قرأت في أحد المواقع استشارة من شخص يطلب دلالته للخلاص مما يعيشه من الهموم والأحزان الدائمة المترتبة على فعله الآثم ، وملخص ذلك أنه حسد شخصاً آخر من زملائه  فأراد الإطاحة به ، فاتفق مع أشخاص آخرين قاموا بخطفه وتصويره في حالة غير لائقة وقاموا بنشر هذا المقطع الذي سبب ضرراً نفسيا خطيراً على الضحية حتى قاده ذلك الأمر للانتحار ــ وإنا لله وإنا إليه راجعون ــ ….

ووالله إنك لتسمع في الحياة قصصاً عجيبة من آثار الحسد والبغي ، والعجب أن أكثر الحسد والتحاسد يكون من المماثل والمقارب كما يقول أبو حامد الغزالي (ولذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم، والتاجر يحسد التاجر، بل الإسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب، والمرأة تحسد ضرتها وسرية زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته؛ لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف فلا يتزاحمون على المقاصد، إذ مقصد البزاز الثروة ولا يحصلها إلا بكثرة الزبون، وإنما ينازعه فيه بزاز آخر… وكذلك الشجاع يحسد الشجاع ولا يحسد العالم؛ لأن مقصده أن يذكر بالشجاعة ويشتهر بها وينفرد بهذه الخصلة ولا يزاحمه العالم على هذا الغرض، وكذلك يحسد العالم العالم ولا يحسد الشجاع، ثم حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب؛ لأن التزاحم بينهما على مقصود واحد أخص…)

ومن عجائب النفس البشرية أن تُخرج الباطل في صورة الحقيقة ، فتجد الحاسد يفعل أفعالا شنيعة من الظلم والبغي والغيبة وأخذ الحقوق …ولكن تصورها النفس أنها من أفعال الخير وأن منطلقها الإصلاح والنصيحة للمسلمين …، ولو تحقق الإنسان من نفسه وحاسبها وراجعها لوجد منطلق ذلك الحسد ، ومن تأمل في واقع الناس وجد أمثلة كثيرة على ذلك…نسأل الله أن يعيينا على أنفسنا ويقينا شرها وبطرها

أخي الكريم / الحديث عن الحسد ذو شجون وتشعباته كثيرة جداً ولكن بقي نقطة في غاية الأهمية ألا وهي ما يسمى ب (توهم الحسد) فبعض الناس يعلق كسله وفشله  ومرضه وتأخره  على العين والسحر والحسد ويجعلها مُتكأً سهلاً لكل فشل يحصل له في الحياة ،والعجيب أن بعض المحيطين به قد يقتنعون بذلك ويعيشون الوهم مع صاحبه ، وليس كلامي لنفي السحر أو العين والعياذ بالله ، بل هي موجودة وحقيقية والأدلة الشرعية واضحة في ذلك ، ولكن الخلل الكبير أن يُعلق عليها كل أمر ، بل قد يترتب عليها اتهام للغير بلا بينة أو برهان والله الموعد

أمَا واللَّهِ إنَّ الظُّلمَ لؤمٌ                        وما زال المسيءُ هو الظلوم

إلى ديَّانِ يومِ الدِّينِ نمضي                 وعندَ اللهِ تجتمعُ الخصومُ

وأختم مقالي بفتوى للشيخ ابن باز حول هذا الموضوع وفيها ذكر العلاج لمن يريد الخلاص من هذا الداء الخطير (… بعض الناس قد يحسد، ولكن لا يكتفي بالحسد، بل يسعى في ضرر المحسود، يؤذيه بكلامه، أو بالسعي في إزالته عن وظيفته، أو السعي فيما يضر في نفسه، وفي بدنه، أو في دينه، هذا من جهة الحسد، يجمع بين الحسد، والظلم يظلمه زيادة على حسده إياه، إذا حسده على وظيفة، أو على صحة، أو على علم، أو على غير ذلك سعى في إزالة هذه النعمة العظيمة، يسعى في إزالتها عن المحسود ظلمًا، وعدوانًا، نسأل الله العافية.

فطريق السلامة من ذلك أن تمنع نفسك من هذا، وأن تذكرها بالله، وأن تعرض عن الحسد، وتعلم أنه منكر عليك، وأنه ظلم منك لعباد الله، واعتراض على الله فهو الذي ينعم على عباده، هو الذي قسم رزقه بين عباده، فما الداعي إلى أن تحسد فلانًا؛ لأن الله أعطاه مالاً، أو أعطاه علمًا، أو أعطاه وظيفة مناسبة، أو أعطاه غير ذلك مما أباح الله، لماذا تحسده؟! الله الذي قسم الأرزاق بين عباده فهذا اعتراض منك على ربك، وسوء ظن منك بربك، فسل ربك العافية، واحذر شر نفسك، وشيطانك، ونفسك الأمارة بالسوء، ولا تحقق حسدك بالظلم.)

أسأل الله أن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وأن ينفع بهذه المقالة كاتبها وقارئها وناشرها ، وأن يجعلها بوابة للإصلاح ومنهية للخصام …

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

فيصل بن محمد الـقعيضب

الدلم

14 / 12 / 1443

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *