الأحد، ١٦ محرم ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ١٤ أغسطس ٢٠٢٢ ميلادى

لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك

فيصل بن محمد القعيضب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد : فعنوان المقال حديث رواه الترمذي وغيره ، وذكره النووي في رياض الصالحين تحت باب ( النهي عن الشماتة بالمسلم) ، وقد حسَّن الحديث الترمذي والشيخ عبد القادر الأرناؤوط وغيرهم وأكثر العلماء على أن الحديث ضعيف ، ولكن معناه صحيح كما يقول الشيخ ابن باز في شرحه (معناه صحيح… لكن حتى لو ما صح فيه حديث هو داخل في إيذاء المؤمن) ومقصود الشيخ أن الأدلة الأخرى تدل على هذا المعنى كما قال تعالى ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَـٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِیمَـٰنِۚ وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ قال الشيخ ابن عثيمين في تفسيره للآية (والسخرية: سبق أنها الاحتقار والازدراء، وأن قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ و﴿خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ يعني: عند الله أو في المستقبل أو في الواقع، يعني أنه إذا سخر رجل من آخر فهذا المسخور منه قد يكون عند الله خيرًا من الساخر، وقد يكون في نفس الوقت خيرًا من الساخر، وقد يكون في المستقبل خيرًا من الساخر…)

وروى الترمذي وأبو داود  قول النبي ﷺ لأحد الصحابة (وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ، فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ). وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ) رواه الترمذي

ويستفاد من هذه النصوص وغيرها حرمة وخطورة الاستهزاء والشماتة بالمسلمين ، وأنها من الذنوب التي تُعجل لصاحبها في الدنيا قبل الآخرة ، وإليك أخي القارئ الكريم هذه القصة العجيبة: اجتمعَ الكسائي وأبو محمدٍ اليزيدي، عندَ هارونِ الرشيدِ، فحضرتْ صلاةٌ يُجهَرُ فيها ـ لعلها صلاة المغرب  ، فقدموا الكسائي ليصلي بهم، فأُرْتِجَ عليه (التبس عليه :اي أخطأ ) في قراءة (قل يأيها الكفرون)،فلما أن سلم، قال اليزيدي: قارئُ أهلِ الكوفةِ، يُرتَجُ عليه (يخطئ ) بقراءةِ قل يا أيها الكافرون…! فحضرت صلاةٌ يُجهرُ فيها، ـ لعلها العشاء ، فقدموا اليزيديَّ ، فأُرْتِجَ عليه (اخطأ) في سورة الفاتحة، فلما سلم، قال الكسائي  بيتاً من الشعر فيه عبرة وموعظة وتذكير: اِحْـفَـظْ لِـسَـانَـكَ لاَ تَـقُـولُ فَـتُـبْـتَـلَـى // إنَّ الْــبَــلاَءَ مُـوَكَّــلٌ بالْـمَـنـْطِــقِ

وقال ابن رجب نقلا عن بعض السلف: أدركت قوما لم يكن لهم عيوب، فذكروا عيوب الناس؛ فذكر الناسُ لهم عيوبا، وأدركت أقواما كانت لهم عيوبٌ فكفوا عن عيوب الناس، فنُسيت عيوبهم

وقال أحد العارفين المجربين ( ما رأيت في حياتي أحدٌ من الناس استهزأ بآخر إلا ورأيت أثر ذلك عليه أمّا في نفسه أو أهله وعياله)

ولذلك وجب على كل مسلم إذا رأى مبتلى في أمر دينه أو دنياه عدة أمور :

  1. حمد الله كما في الحديث المشهور (من رأى مبتلًى فقال : ” الحمدُ للهِ الذي عافاني مما ابتلاكَ به ، و فضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا ” ، لم يُصِبْهُ ذلك البلاءُ) صححه الألباني ، ويقولها في نَفْسِه أو بحيثُ لا يَسمَعُه؛ لِئَلَّا يكونَ شامتًا به
  2. عدم الاستهزاء به والتنقص
  3. نُصح من وقع منه الاستهزاء
  4. عدم التشهير به وفضحه لحديث (من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)
  5. نُصح هذا المبتلى ، إن كان ما وقع منه مخالفة شرعية أو مخالفة لأعراف وعادات الناس
  6. التحذير من فعل هذا المبتلى ، مع التنبه بعدم ذكر اسمه ، بل يبين خطورة الفعل دون الفاعل لحرمة أعراض المسلمين ، إلا في حالة واحدة ذكرها أهل العلم وهي حالة المجاهر بالفعل وهذا التشهير يكون بما جاهر به دون ما لم يجاهر به، وصاحب المجاهرة والعياذ بالله معرض لسخط الله ومعرض لعدم المعافاة ، بل قد تكون مجاهرته من أسباب ختم الله على القلب فعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ، ثم يصبح وقد ستره الله عليه ، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ، ويصبح يكشف ستر الله عنه ) وهذا الوعيد الشديد للمجاهر لأن في الجهر بالمعصية استخفاف بمن عُصي وهو الله جل جلاله و استخفاف بحقه، وبحق رسوله ﷺ، واستخفاف بالمؤمنين، وإظهار العناد لمبدأ الطاعة ولأن المعاصي تذل أهلها، وهذا يذل نفسه ويفضحها في الدنيا قبل الآخرة ، والمجاهر يُجرأ غيره على أن يفعلوا مثل أفعاله الدنيئة.

وفي الختام ليحذر المسلم من الاستهزاء والتنقص والازدراء لإخوانه ، وليعلم أن تقلبات الدنيا كثيرة ، وأن الذي أغنى قادر أن يفقر ، وأن الذي أعطى قادر على أن يأخذ ، وأن الذي عافا قادر على أن يبتلي ، وأن الذي هدى وأصلح الذرية بيده قلوبهم وبيده تصريفها ، وأن الذي أصلح الأحوال بين الزوجين بيده الجمع بين القلوب  ووضع التدابر بينها ….

فلنحفظ ألسنتنا ولندعو بالعفو والعافية دائماً ، فاللهم اصرف قلوبنا على طاعتك ، ونسألك اللهم العفو والعافية في الدنيا والآخرة

أسأل الله أن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وأن ينفع بهذه المقالة كاتبها وقارئها وناشرها …

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

فيصل محمد الـقعيضب

الدلم

5 / 1 / 1444

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *