الإثنين، ١٧ محرم ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ١٥ أغسطس ٢٠٢٢ ميلادى

الحالقة!

فيصل بن محمد القعيضب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد : فمن المظاهر الاجتماعية التي بدأنا نراها ونسمع عنها بين حين وآخر ظاهرة خطيرة الأثر على الفرد والمجتمع ، وهي منذرة بعقوبة عاجلة لمرتكبها في الدنيا والوعيد الشديد في الآخرة ، هي مظهر يحبه الشيطان وينفخ فيه ، بل هي من أهدافه الكبرى وغاياته العظمى …

وأظنك أخي القارئ عرفت المقصود بالكلام السابق، وإذا لم تعرفه بعدُ فاقرأ هذا الحديث : روى الترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تَحلق الشعر، ولكن تَحلق الدين))؛ صحَّحه الالباني

نعم أخي الكريم : هذا المظهر ولا أقول الظاهرة لأن المجتمع المسلم ولله الحمد ينعم بالترابط والتكاتف ، ولكن مثل هذا المظهر بدأ في الزيادة والظهور وهو نذير شؤم وبلاء على المجتمع إذا لم نتكاتف ونتعاون في معالجته وتجفيف منابعه

إن مما تتميز به المجتمعات المسلمة هذا التلاحم والترابط والتكاتف بينها ، فتجد العلاقة القوية المتميزة بين الأقارب ، والعلاقة بين الجيران ، والعلاقة بين زملاء العمل ، والعلاقة بين جماعة المسجد ….وهذا ما تفتقده كثير من المجتمعات غير المسلمة ، فلا تجد بينهم هذا الترابط والتآخي والتعاون

وكم والله يحز في النفس عندما ترى أو تسمع عن قرابة ، أو جيران أو أصحاب  متخاصمين ومتقاطعين عدة سنوات ، بل أحيانا تسمع ويا للعجب عن اثنين من جماعة المسجد يصلون بالقرب من بعض وهم متخاصمين متقاطعين!

ألم يسمعون ويتفكرون ويتدبرون الأدلة الشرعية الناهية عن ذلك والتي جاءت ببيان خطورة الأمر على صاحبه ، ولعلي أذكر بعضها ليعتبر معتبر ويستيقظ غافل ويتوب مقاطع …

  1. عنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدابروا، وَلا تباغَضُوا، وَلا تحاسَدُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، وَلا يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوقَ ثَلاثٍ ) متفقٌ عَلَيْهِ.
  2. عنْ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قَال: قَال رسُولُ اللَّه ﷺ:( تُعْرَضُ الأعْمالُ في كُلِّ اثْنَيْنِ وخَميس، فيَغْفِر اللَّه لِكُلِّ امْرئٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَءًا كَانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيقُولُ: اتْرُكُوا هذَينِ حتَّى يَصْطلِحا )رواه مسلم. قال الشيخ ابن باز ــ رحمه الله ـــ  : (فهذا يُفيد أن الشحناء من أسباب حرمان المغفرة)  فيا أيها القاطع لأخيك المسلم هل ترضى بألا يعرض لك عمل وأنت من يجتهد في العبادة من صلاة وصيام وحج وصدقة ومعروف …ثم بعد هذا الجهد تكون هذه هي العاقبة!
  3. عنْ أَبي هريرة رضي الله عنه قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: (لا يحِلُّ لمسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاه فوْقَ ثَلاثٍ، فمَنْ هَجر فَوْقَ ثلاثٍ فَمَاتَ دخَل النَار) رواهُ أَبُو داود.  أعاذنا الله وإياكم من النار
  4. عَنْ أَبي خرَاشٍ حدْرَدِ ابنِ أَبي حَدْردٍ الأَسْلمي أنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يقُولُ: (مَنْ هَجر أخاهُ سَنَةً فَهُو كَسَفْكِ دمِهِ) رواه أَبُو داود.
  5. عنْ أبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه أنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لا يَحِلُّ لمُؤْمِنٍ أنْ يهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاثٍ، فَإنْ مرَّتْ بِهِ ثَلاثٌ فَلْيَلْقَهُ ولْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإن رَدَّ عليهِ السَّلام فقَدِ اشْتَرَكَا في الأَجْرِ، وإنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ باءَ بالإثمِ، وخَرَجَ المُسَلِّمُ مِن الهِجْرةِ) رواهُ أَبُو داود بإسنادٍ حسنٍ،

قال ابن عثيمين ــ رحمه الله ــ (لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام لكن فيما دون الثلاثة له أن يهجره، ولا ينبغي أيضاً، لكن له يهجره؛ لأن الإنسان ربما يكون بينه وبين أخيه شيء من وقفة الخواطر والشره عليه، فيهجره، هذا رخص له النبي-صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أيام فقط، وبعد ذلك لا بد أن يُسَلم…)

ويزداد الأمر جرماً وأثراً عندما تكون القطيعة بين الأرحام ، وإليك أخي القارئ بعض النصوص المحذرة من القطيعة بين الأرحام

  1. قال رسول الله ﷺ (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) متفق عليه.
  2. و قال رسول الله ﷺ (ما مِن ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدُّنيا مع ما يَدَّخرُ لهُ في الآخرةِ من البَغي وقطيعةِ الرَّحمِ) رواه أبو داود وصححه الألباني.

وفي الختام أدعو كل من كانت بينه وبين أخيه المسلم قطيعة أن يبادر قبل أن يغادر فالموت قريب ، والحساب عسير ، والرب كريم يجازي من عفى وأصلح وسامح بالأجر الكبير ، وأدعو كل من كانت له مقدرة على الإصلاح بين الناس أن يبذل جهده في ذلك فالأجر عظيم والمجازي كريم ((لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)) قال الشيخ السعدي ــ رحمه الله ـــ  (…والإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع والخصام والتغاضب يوجب من الشر والفرقة ما لا يمكن حصره، فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض، بل وفي الأديان كما قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ْ} وقال تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ْ} الآية. وقال تعالى: { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ْ} والساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله…)

وقال الشيخ ابن باز ــ رحمه الله ــ (فالإصلاح بين الناس فيه مصالح كثيرة، من  قطع الشحناء، وقطع الخصومة، والتأليف بين القلوب، فإن الصلح يؤلف بين القلوب، … الصلح الذي يكون عن تراضٍ تكون القلوب فيه طيبة، ويسلم الناس من الشحناء التي تحصل بسبب الخصومات والأحكام)

أسأل الله أن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وأن ينفع بهذه المقالة كاتبها وقارئها وناشرها ، وأن يجعلها بوابة للإصلاح ومنهية للخصام …

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

فيصل محمد الـقعيضب

الدلم

14 / 12 / 1443

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *