الإثنين، ١٠ محرم ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ ميلادى

” الصحة والفراغ “

إيناس حسين مليباري

 

هل تساءلت يومًا: متى يعدّ المرء خاسرًا؟ ما الأداة التي ما إن يمتلكها فهو أغنى الخلق؟ أخبرنا بهذا نبيّنا الكريم، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

” نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ”؛ رواه البخاري

ولعل هذه الحقيقة على وضوحها وبيانها إلا أنها الأشد غفلة وإهمالًا، فكُثر هُم من أُوتوا عافية في أجسادهم وفراغًا في ساعاتهم ثم لا يصنعون شيئًا، ولا في أنفسهم يستثمرون.

عن فراغ الأطفال أتحدث، وبشكل خاص عن أيام الإجازة المُهدَرة، ثمة طابع سائد عند بعض الناس في أوقات الإجازة وهو الاستغناء بشكلٍ كليّ عن النظام المعتاد أيام الدراسة، بدءًا من تغير نظام النوم للسهر الممتد حتى أوقات متأخرة، ثم تفريط الأوقات التي كانت مخصصة للتعلم وحلّ الواجبات مثلًا لتستبدل باللا شيء، ثم توسيع دائرة المباحات والمسموحات لتكون جملة إجازة الطفل عبارة عن ترفيه مطلق!

ذكرتُ في المقال السابق ضرورة أخذ الإنسان حظه من الراحة والاستجمام، وكسر نظام النوم ولا بأس في ذلك بل في أوقات معينة يعدّ ضرورة ليعود الإنسان للجدّ بصدر رحب وروح نشيطة متجددة.

المشكلة تكمن فيمن يُسرف، والوسط هو تخصيص جزء ثابت في اليوم يضيف للطفل قيمة أو يعلمه شيء جديد أو يذكره بمعلومات سابقة، الجزء الثابت قد يكون ساعة أو أقل، الأمر يسير.

الحديث عن كيفية قضاء الطفل لإجازته بحر لا ساحل له، وما يهمّ فعلًا هو وجود الجوهر، بعيدًا عن النُّزه والفُسح الترفيهية، هل سعيت لأن تعلم طفلك مهارة جديدة؟ أو تنقله لمستوى معرفي جديد؟

تتعدد المقترحات وتتزاحم الأفكار لكيفية استثمارك لطفلك، من أمثلة ذلك:

  • قد يكون باقتناء سلسلة قصصية وتنمية مهارة القراءة وما يتبعها من مهارات أخرى كالاستنتاج والتخيل.
  • وقد تنتفع بالموجود، فتمارس نشاط الطبخ، وتتحاوروا حول موضوع معين، فتنمي لديه مهارة الحوار.
  • أو قد تخططون لنزهة معينة أو إقامة احتفال عائلي بسيط وتشركه في الخطوات والترتيبات، وتطلب منه معاونتك لإعداد أسئلة ومسابقات أثناء الاحتفال، فيتعلم مهارة التخطيط، ومهارة التواصل مع الناس.
  • أو تتابعون سلسلة من الوثائقيات – وفق ميوله- وتتناقشون حولها فتنمي لديه معارف جديدة.
  • وقد تطلب منه أن يجهز قائمة بأنشطة يرغب بممارستها معك، أو تساعده في ذلك من خلال جلسة عصف ذهني.

والمقصد من هذا ليس تأدية النشاط فحسب، وإنما الاستمرار والزيادة، هناك أفكار عمرها مرة واحدة ثم لا تصلح، وهناك أفكار تصلح للتكرار مع إضافة أمور أخرى لها، ومن أراد ورغب فيصل لما يريد.

والنصيحة الثمينة هي: علّم طفلك أن الإجازة غنيمة، فينتفع منها أيما انتفاع، والانتفاع لا ينفي الاستمتاع، دع طفلك يمارس الانتفاع الماتع الذي يضفي طابع مميز للإجازة ويجعله يكبر وينمو دون مدرسة وبدون تعلم مباشر.

وإن كنت من صاحب الأعمال والمهام ولا تجد الوقت الكافي فسلّم المهمة لغيرك، سواء من داخل البيت أو خارجه، كإشراكه في أندية صيفية أو مراكز الأحياء، ففيها خير كثير ومنها يتعلم ويستمتع.

سيكبر هذا الصغير ويذكر الأوقات التي قُضيت بحب ورعاية، سيتعلم ما ينبغي تعلمه في وقت مبكر: ألا يفرط في الأوقات، وأن يغتنم الإجازات.

وإنه حين يسمع ما قاله نبيه الكريم، فلن يعجب.. قال صلى الله عليه وسلم: “اغتنم خمسًا قبْل خمس؛ شبابك قبل هَرَمِك، وصحَّتك قبل سقَمك، وغناءَك قبل فَقرك، وفراغَكَ قبْل شُغلِك، وحياتَك قبْل موتِك”.

إيناس حسين مليباري

جامعة الملك عبد العزيز| مركز الطفولة

Enas.melebari@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *