الإثنين، ١٠ محرم ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ ميلادى

من صور البخل المغفول عنها عند بعض الناس

من صور البخل المغفول عنها عند بعض الناس

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد : فمما يتفق عليه عقلاء الناس من قديم الزمان أن البخل من أشنع وأقبح الصفات ، وجاءت الأدلة الشرعية لتبين هذا المعنى وتجليه بأبلغ العبارات وأوجزها ، فمن ذلك قوله تعالى (( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)) وجاء عن النبي ﷺ قوله لبني سلمة (من سيِّدُكم يا بني سلمةَ ؟ قلنا : جدُّ بنُ قيسٍ س على أنَّا نُبخِّلُه، قال : و أيُّ داءٍ أَدْوَى من البخلِ ؟ بل سيِّدُكم عمرو بنُ الجموحِ)  وكلام الأدلة الشرعية في البخل والشح كثيرة ، ومثل ذلك شعر الشعراء وكلام الحكماء في ذم البخل وبيان قبحه كثير جداً …

ومن جميل فعل الإمام ابن القيم لما تكلم عن خلق الجود …ذَكَر بعض صور الجود التي قد لا ينتبه لها الناس أو لا يعدونها من الجود وهي منه… وما أريد ذكره هنا هو بيان لبعض صور البخل التي قد يغفل عنها الناس وهي معدودة منه فمن ذلك :

  • البخل بالعلم الشرعي ، وهو من أقبح صور البخل ، ولذا عاب الله على اليهود ومن تشبه به في كتمان العلم فقال ((الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا)) ومن صور البخل بالعلم عدم نشره وتعليمه وتوضيحه للناس مع القدرة العلمية على ذلك
  • البخل بالجاه ، فلا ينفع الناس بجاهه ولا يشفع عند الغير بما فيه مصلحة للمشفوع وعدم إضرار بالغير ، ومن الكلمات المشهور عند الناس قولهم ( فلان ما ينفع ) وتقال لبعض الناس ممن أعطي مكانة وقدرة على النفع ولكن وللأسف لا يبذل ذلك لنفع الناس ، فيحرم نفسه أولا من الأجر والمثوبة … وفي الحديث ((كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أوْ طُلِبَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، ويَقْضِي اللَّهُ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما شَاءَ.))
  • البخل بالأخلاق ، فبعض الناس شحيح بابتسامته وبكلمته الطيبة وبفعله الحسن ، وفي الحديث أن الكلمة الطيبة صدقة والتبسم صدقة وبخيل الأخلاق يحرم نفسه من الأجر أولاً ثم الذكر الحسن ثانياً ثم دعاء الناس له ووالديه ثالثاً ،
  • البخل بالمعلومة ، فبعض الناس أعطاه الله معرفة في علم أو مهارة معينة  ، ثم تجده يبخل بتعليمها للناس وكسب الأجر في ذلك ، ثم الأقبح من ذلك أن بعضهم قد يسأل ولكن لا يجيب وإن أعطى فيعطي (بدون نفس ) كما يقال ، ولا يعطي السائل المعلومة كاملة … ولا شك أن هذا من الحرمان وفي الحديث ( من منحَ منيحةَ لبنٍ أو ورقٍ أو هدى زقاقًا ــــ الطريق ــــ  كانَ لَهُ مثلُ عتقِ رقبة) وقد سأل أبو ذر النبي ﷺ فقال: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: ((الإيمانُ باللَّهِ والْجِهادُ في سَبيلِهِ قالَ: قُلتُ: أيُّ الرِّقابِ أفْضَلُ؟ قالَ: أنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها وأَكْثَرُها ثَمَنًا قالَ: قُلتُ: فإنْ لَمْ أفْعَلْ؟ قالَ: تُعِينُ صانِعًا، أوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ…))
  • البخل بالمشاعر ، وانظر يا رعاك الله لخليلك ﷺ وهو يظهر مشاعره وتأثره وتألمه للصحابي الجليل كعب بن عجرة ، فعنه رضي الله عنه أنه قال (حُمِلت إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ والقملُ يتناثرُ على وجهي فقال ما كنت أرى أن الجهدَ بلغ بك هذا وبلغ بك ما أرى…) وكم يعاني الناس من عديمي المشاعر الذين لا يراعون أحوال ومشاعر وهموم الناس ، وهنيئاً لمن جعله الله بلسماً لغيره بكلمة طيبة وشعور صادق وتوجيه حسن يساعد في حل مشكلة لغيره أو تخفيفها
  • البخل عند ذكره ﷺ وفي الحديث ((البخيلُ الذي من ذُكِرْتُ عندَه فلم يُصَلِّ عليَّ)) فالذي لا يصلي عليه قد حرم نفسه من الأجر العظيم ، ولم يقم بما هو مطلوب منه في حق نبيه ﷺ الكريم ، فاللهم صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ؛ إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ. اللَّهمَّ بارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ؛ إنَّك حميدٌ مجيدٌ

فيصل محمد القعيضب

الدلم

14 / 12 / 1443

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *