الأربعاء، ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣ هجريا ، الموافق ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ ميلادى

شبيه البحث العلمي

محمد بن سعد العوشن

كثيرة هي البحوث التي تصدر بوصفها رسائل ماجستير ودكتوراه وبحوث ترقية، وتتناول جميع الموضوعات والشؤون المجتمعية في عناوينها!.

وحين تبحث في مكتبات الدراسات العليا فسوف تتفاجأ بحجم الدراسات عن الظواهر والسلوكيات المجتمعية، ومسببات المشكلات، وحلولها، وسوف تتأسف على عدم استفادة المجتمع من تلك البحوث الكبيرة الحجم، وتتعجب من تواجدها بشكل حصري في مكتبات الجامعات.

لكنك حين تفتح أوراق جملة غير قليلة من تلك الدراسات، وتبدأ في قراءة المضمون، وأنت في غاية التفاؤل بأنك ستجد فيها التشخيص الدقيق للواقع، ومعرفة الأسباب، والغوص في أعماق المشكلات، لأن تلك الصفحات الكثيرة لابد أن تعثرعلى جذور المشكلات وتتناولها بالتفصيل الممل .. وتتبعها بالحلول المتنوعة لتلك المشكلات..

وحين تقرأ ثم تقرأ سوف تصاب بالصدمة، والإحباط، وانخفاض مستويات التفاؤل، ثم تدرك حينها أنك أمام منتج وضع للحصول على شهادة، لكنه غير قابل للاستهلاك!

ستدرك أنها ليست بحوثًاً علمية وإن كانت في ظاهرها كذلك، لوجود مشابهة شكلية بينها وبين البحوث الفعلية المؤثرة والتي تخدم المجتمع. وستشعر – فعلاً – أن الذي بين يديك ليس إلا “شبيه البحث العلمي” ! على وزن “شبيه القشطة”!

نعم ، يشابهه في تنظيم المحتويات، يشابهه في العناوين، يشابهه في وجود كم كبير من المراجع، مجرد شبه ( يخلق من الشبه أربعين) بحيث يظنه الضمآن ماء، حتى إذا أتاه لم يجده شيئاً.

إذ بات الاعتماد على الاستبانات – مثلا – سمة سائدة في أشباه البحث العلمي، وبتنا نحكم على المجتمع من خلال هذه العينات (اليسيرة)، التي تقوم بتعبئة الاستبانة ( بغير دقّة)، لتخرج منها (نتائج مشوهة)، هي في الواقع تحوم حول الحمى ولا تقع فيه.

ويتم ملء صفحات الرسالة بالكثير من الحشو والتجميع لنصوص وردت في أشباه أخرى للبحث العلمي، باعتبارها دراسات سابقة، يتم إقحامها بسبب أو بدون سبب، إذ أن الإشارة إليها ووجودها في شبيه البحث غير مؤثر، فهي مجرد زيادة في الصفحات، ومحاولة لإظهار الجهد الكبير الذي قام به الباحث، وهو جهد لا أنكره، لكن الذي أنكره هو النتيجة والخدمة التي تحققها تلك الدراسة.

السؤال المهم الذي يمكن طرحه على الباحث : ماهي الفائدة التي تم يجنيها المجتمع أو المتخصصون من رسالتك، باستثناء استفادة باحثين آخرين  منها في إضافة أسطر جديدة لفصل الدراسات السابقة!؟

وحتى تدرك أن الموضوعات محل الدراسة ليست ذات جدوى، فإن الباحث ينص في عنوان رسالته على ما ينبئ بذلك، أعني بعدم الفائدة!

وحتى يتضح الأمر دونك هذا المثال – وقد وضعت العنوان من عندي حتى لا يؤخذ الموضوع بشكل شخصي-  لأن أشباهه في الدراسات العليا كثيرة جداً ..

عنوان البحث: “أسباب تدني الأداء الوظيفي للموظفين من وجهة نظر المديرين” ثم يقول الباحث  أنه أجرى الدراسة على عينة من مديري المرحلة الثانوية بمدينة كذا!

فالدراسة إذا لم تكن على المديرين عموماً بل على مديري المدارس! ولم تكن لعينات ممثلة لمجتمع البحث بل اقتصرت على (مديري مرحلة واحدة من مراحل التعليم الثلاث). وهي لم تشمل موضوع البحث فعلاً بل اقتصرت على وجهة نظر أحد أطراف المشكلة وهم (المديرين)، ولم تشمل كل مديري تلك المرحلة، بل اقتصرت على مديري مدينة من المدن، ثم هي حتى مع هذا الجزء من الجزء من الجزء .. اقتصرت على عينة منهم!

وهذ ه العينة غير الممثلة للمشكلة تم إعطاؤهم استبانة مصممة بطريقة لا تأخذ من الشريحة ما لديها، بل تحاول تأطيرها ضمن خيارات محدودة، وأسئلة افتراضية قام بها الباحث من تلقاء نفسه.. وجعلها وفقاً لخيارات غير واضحة ( حتى وإن وسموها بمقياس ليكرت الخماسي) وهو :  (موافق بشدة –  موافق – محايد – غير موافق – غير موافق بشدة).

فضلاً عن كون الاستبانة مصابة بلعنة المعرفة إذ تستخدم عبارات (تخصصية) لا يفهم معانيها من يقوم بالتعبئة، لأن الذي كتبها وراجعها موغل في التخصص فيكتبها لمن يعرف مثل معرفته! فيختار تخميناً للإجابات المتوقعة على أسلوب ( شختك بختك).

ثم يأتي الباحث في نهاية المطاف ليعرض لك نتائج تلك الاستبانة على هيئة رسوم بيانية مضللة، وموهمة، ومملوءة بالتناقض، وكأنه قد سحب لك الأسد من ذيله – كما يقال-.

إننا أمام مشكلة حقيقية : فالعمل والتنمية والنجاحات على أرض الواقع منفصلة كلياً عن البحث العلمي بالجامعات، وبينهما سد عظيم كسد يأجوج ومأجوج، فما أحوجنا إلى التداعي لإيقاف هذا الهدر وهذا النزيف الكبير للجهود والأموال والأوقات التي تذهب في غير طائل.

وأختم بأن حديثي هذا عن (كثير) من البحوث، والنظري منها خاصة، وإن كان في وسط تلك الظلمات بحوث مميزة، ذات تأثير، لكنها مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود.

فإن وجدت في نفسك شيئاً أيها القارئ الباحث من مقالي هذا، وشعرت أنه ينال منك ومن بحوثك، فربما كان ذلك مؤشراً على أنني لمست الجرح، فليس الحل في الهجوم عليّ بل في إدراك الواقع والسعي لتصحيح المسيرة، وليس العيب أن نخطئ، لكن العيب في أن نستمر في التبرير للخطأ والدفاع عنه.

وأنا أدرك كذلك أن المشكلة ليست في الباحثين، لأنهم – غالباً – وجدوا أنفسهم مضطرين للعمل وفق قالب جامد، ينتج منتجات غير مفيدة، ولم يكن أمام الواحد منهم إلا الاستمرار في هذا العمل غير النافع، لأنه الطريقة الوحيدة للحصول على مؤهل دراسي عالي.

فواجب الأقسام والكليات أن يعيدوا النظر في عملهم، ويراجعوا الأدوات، ويكفّوا عن التقليد والمحاكاة، وأن يكون حرصهم الأكبر هو في إحداث الأثر في المجتمع من خلال تخصصهم، وليس المزيد من الصفحات والأرقام والجهود وحملة الشهادات العليا فحسب.

محمد بن سعد آل عوشن

دمتم بخير،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *