الأربعاء، ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣ هجريا ، الموافق ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ ميلادى

مجموعات المشي والثقافة الفرعية

د. صالح بن سعد الأنصاري

تنتشر في العالم ثقافة المشي في مجموعات في المدن والأرياف ومسارات المشي في الطبيعة في ظاهرة اجتماعية تستدعي التأمل في تفردها وتوجهاتها كثقافة تصل إلى أن نسميها “ثقافة فرعية” كما يمكن لمعرفة هذه الثقافة الاستفادة منها وتقدير الفرص لاستثمارها في تعزيز الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية في المجتمع.

وتعتبر مجموعات المشي ناشئة في مجتمعنا العربي والخليجي والسعودي مقارنة بالمجتمعات المتقدمة صناعيا. وقد انتشرت هذه الثقافة في مجتمعنا مؤخرا مع انتشار ثقافة المشي وتكوين المئات من مجموعات المشي ومجموعات المشي في الطبيعة (الهايكنج) وظهور تغطياتها في وسائل التواصل الاجتماعي.

يتكرر ويتنوع وجود الثقافة الفرعية في مختلف المجتمعات. وتتلخص فكرة “الثقافة الفرعية” في وجود مجموعة من الأشخاص يعيشون داخل مجتمع أكبر وينتمون إليه إلا أن لهذه المجموعة ثقافة فرعية وخصائص محددة ومتماسكة ومميزة بشكل ملموس عن الثقافة الأم. وغالبا ما يميز أصحاب تلك الثقافة الفرعية “مبادئ” و”قيم” وممارسات خاصة تختلف عن الحياة وعن النمط المعيشي المعتاد.

وقد تطور مفهوم الثقافات الفرعية في علم الاجتماع والدراسات الثقافية، وكتبت عنه الكتب والمقالات، وأجريت عليه الكثير من الأبحاث، حيث يعرف قاموس أكسفورد الإنجليزي الثقافة الفرعية (Subculture) ضمن الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بأنها “مجموعة فرعية يمكن تحديدها داخل مجتمع أو مجموعة من الناس تتميز بمعتقدات أو اهتمامات تختلف عن تلك السائدة في المجموعة الأكبر من حيث الأفكار والممارسات أو نمط الحياة ” وشرحت سارة ثورنتون وكين جيلدر كيف يميز أصحاب الثقافات الفرعية أنفسهم عن المجموعة الأم على الرغم من استمرارهم مندمجين في الثقافة الأم.

في وقت مبكر من عام 1950 ميز ديفيد ريسمان بين الأغلبية “التي تعيش أساليب وأنماطا سائدة، وبين الثقافة الفرعية التي تغاير المجتمع بنشاط وبأسلوب مميز” وفي كتابه “الثقافة الفرعية: معنى الأسلوب” الذي أعده عام 1979 ناقش ديك هيبديج كبف تتميز الثقافة الفرعية عن الحياة “الطبيعية” وعن المعيار المجتمعي السائد. وجادل بأن أصحاب الثقافة الفرعية يشعرون بالتفرد ويتطور لديهم الشعور بهوية مختلفة، وأنه كثيرا ما يصف المجتمع أساليبهم وأنماطهم بالمبالغة وبالخروج عن المألوف.

ومن معايشتي لتأسيس وتطوير العشرات من مجموعات المشي ضمن مبادرة مشاة السعودية ومن تكرار مشاركاتي أنشطة مجموعة مشاة الرياض ومئات رحلات المشي في الطبيعية مع مختلف المجموعات داخل وخارج المملكة، أحاول هنا وصف تميز مجموعات المشي ببعض المميزات التي يمكن مراعاتها فيهم كثقافة فرعية. كما يمكن أن تستثمر ثقافتهم تلك في تعزيز الصحة وتنمية المجتمع. ومن هذه المميزات ما يلي:
• يميزون أنفسهم بصفات محددة مثل “المشاء” أو “المغامر” أو “الرحال” أو “الكابتن” أو غيرها
• يعتزون بالارتباط والانتماء لمجموعة أو فريق أو نادي المشاة.. إلخ ويفعلون هذا الانتماء بشكل عملي
• البساطة والتواضع والتواصل مع الجميع بلا تكلف، وأرجع ذلك لممارسة المشي كرياضة ترسخ البساطة والتواضع
• البساطة في تناول الأغذية البسيطة الصحية المحضرة منزليا، والشراكة في تناول وجبات مشتركة مما توفر
• ينتفي بينهم التمييز بحسب الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية ومن مختلف الأقطار في تجانس ملموس
• يشعرون بالمسؤولية عن نشر ثقافة المشي ووصول مفاهيمه لشرائح أكثر وبذل الجهد في ذلك تطوعا
• يسعون لاجتذاب مزيد من المشاة وتعزيز مفهوم المشي للصحة، ويمثل المشي مدخلهم لتعزيز الصحة
• يركزون على المشاركة وتحسن الأداء في نشاطاتهم بغض النظر عن العمر، فالعمر بينهم مجرد رقم
• يحبون حياة الفجر وينشطون في فعالياتهم من أواخر الليل والمشي فجرا والمشي أول النهار، وقليلا يسهرون
• يحبون البيئة ويحافظون عليها وفق شعار “لا تترك أثرا” ويشعرون بالمسؤولية عن الحياة الفطرية
• بالرغم من مشاركة الكثير من المنافسات، إلا أنها تمارس بينهم بإيجابية وينتج عنها تآلف أكبر وليس العكس
• يسود بينهم رعاية ودعم المبتدئين وتحفيزهم على الاستمرار، فتراهم يثنون على أقل إنجازات المشي
• مبتكرون ومتجددون في نشر ثقافة المشي من خلال فعالياتهم الميدانية وفي التواصل الاجتماعي
• لا يلتفتون للمثبطين ممن يحاول تهميش المشي والتحذير الزائد من الخروج في الطبيعة وبين الجبال
• يتكرر بينهم سرعة بناء الصداقات الجديدة ومن دون صداقة سابقة وسرعان ما يشعر الجديد بينهم بالألفة
• يتحمسون لفعاليات المشي حتى لساعات محدودة، ولو تطلب ذلك السفر إلى مدن أو دول بعيده
• يسود في جلساتهم المودة والاخاء والأحاديث الممتعة والشيقة وقليلا ما يكون بينهم خلاف مؤثر
• يتميز الكثيرون من المشاة وممارسي المشي في الطبيعة بروح المغامرة والتعرض لخبرات جديدة وغير مألوفة

هذه الثقافة الفرعية جديرة بالاهتمام والدعم على كل المهتمين بالصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية وتحسين جودة الحياة. كما يمكن استثمار ثقافة المشي في مجالات التنمية ذات العلاقة. كما يمكن أيضا دعم تكوين المزيد من المجموعات وتطوير أدائها في تنمية المجتمع على مختلف مجالاته، وأن يصبح المشي نمطا سائدا في المجتمع لتنمية مثل هذه التوجهات حتى لو لم ينخرط الجميع في مجموعات المشي.

ودمتم سالمين

د. صالح بن سعد الأنصاري

مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة
المشرف على مركز تعزيز الصحة بالرياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *