السبت، ٣ ذو الحجة ١٤٤٣ هجريا ، الموافق ٠٢ يوليو ٢٠٢٢ ميلادى

بناتنا أرواحنا تمشي على الأرض

صحيفة تواصل الإلكترونية

(رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) , بهذه العبارة خاطبت زوجة عمران ربها وهي تنظر لمولودتها مريم التي كانت تتمنى أن تكون ذكراً ليس تفضيلاً .,بل لتفرغه للعبادة والتعبد بعكس الأنثى التي قد تمر ببعض الأمور الفطرية التي تصرفها عن التعبد الكامل.
  
 أول ما فعلته أم مريم هو اختيار الاسم المناسب وهو "مريم" الذي يعني العابدة , ثم عوذتها هي وذريتها من الشيطان الرجيم فكانت أول خطوة تفعلها بعد الولادة . ثم ما تلا ذلك من رعاية ومتابعة وتنشئة صحيحة في بيئة عرفت الخير وترعرعت في الفضيلة , لذلك صعق قومها وهم يرونها تحمل بين يديها طفلاً فقالوا (ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك بغيا) , وكان لله فيها حكمة وهي اختيار هذه الطاهرة ابنة الأطهار لتكون أماً لنبي الله عيسى عليه السلام .

بدأت الحديث بقصة مريم عليها السلام لأنها قصة ملهمة لكل النساء , فالمرأة التي ترزق بأنثى تتذكر أن تربية الأنثى مختلفة كثيراً عن الذكر , وأنه في الوقت الذي ينظر للأنثى بأنه لا يسترها إلا الزواج أو القبر , هناك نظرة أخرى تقول أن الأنثى بالتنشئة الصحيحة ستكون هي ستراً لنفسها حتى لو طال انتظارها للزوج أو طال أجلها , الرسول اللهم صلي وسلم عليه قال : ))من عال جاريتين "أي بنتين صغيرتين " حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو, وضم أصابعه(( رواه مسلم.
في الماضي كانت الفتاة تعيش في مجتمع متواضع لا يعرف إلا الحقول والبادية , فيتم إرسالها مع قطيع الأغنام للرعي , وعندما تكبر قليلاً تساعد في الحقول وأعمال المنزل , ثم إلى بيت زوجها وتفعل مع صغارها ما كانت أمها تعلمها إياه , تكبر وهي تعرف قيمة الأخلاق التي زرعها أهلها فيها بالرغم من أنها لم تتعلم في المدارس إلا أنها كانت تتلقى تعليمها من مدرسة الحياة ومما تسمعه من حواديث السمر بعد المغرب مع عائلتها التي يفتتحها الجد أو الأب بقصص من هنا وهناك قد تدخل فيها أساطير أو حقائق .

 ومع تقدم الحياة وتغيراتها , أصبحت فتاة اليوم غير فتاة الأمس , فالفتن تحيط بها من كل جانب وزخارف القول تفعل في أذنها مفعول السحر , وتقليد ما تراه من مشاهد حالمه يجعلها تعيش واقعاً وهمياً يصدمها عندما يصبح حقيقة .

ومن شدة خوف الأهل ممن عاشوا في فترة تختلف عن فترة أبنتهم فإنهم يحتارون في الطريقة الأنسب لمعاملة البنت حسب الجيل الذي تعيش فيه , فإما أن يحصل التصادم والتنافر أو يكون هناك تفريط وتسليم للأمر الواقع .

الأنثى اليوم هي حفيدة الأنثى بالأمس , تحمل نفس جيناتها ونفس خصائصها وترث منها كل الأمور , ورعاية البنت منذ الصغر تعطيها الحصانة في الكبر , حتى لو أخطأت أو ضيعت الدرب فإنه تعود بسرعة , هناك أمور تجعل من عالم البنات عالم مخيف وهو الفراغ الذي تتركه الأسرة في حياة البنت , فالأم تنظر لابنتها أنها الصغيرة التي لا يمكن فتح أي حوار جدي معها حتى لو كان هذا الحوار عن الحب , فتقول للصغيرة أنها لم تحب طوال حياتها ولم يخفق قلبها وأن هذا الحب خطيئة بينما الواقع يقول أنه ليس على وجه الأرض معصوم إلا الأنبياء وأن الفطرة والميلان في قلوب البشر هي شيء طبيعي .

البنت تمر بمراحل مختلفة فبنت الأربع عشر ربيعاً ليست كبنت العشرين وبنت العشرين ليست كسيدة الثلاثين وهكذا , فلكل سن حماقاته وتجاوزاته وأخطائه ومن الصعب ترك البنت تجدف لوحدها في بحر الحياة , تعليم الصغيرة منذ الصغر بالخطأ والصح يجنبها عند الكبر الوقوع في المحظور , فمثلاً البرامج التلفزيونية لا يمكن منع البنت من مشاهدة ما تريد , لكن بالإمكان مشاركتها فيما تشاهده وتصحيح الخطأ لها وتوضيح الخلل فيخفف هذا لديها من صدمة التلقي , فمثلاً المسلسل الذي يحكي عن حمل السفاح والزنا والعلاقات المحرمة هذا يكاد يكون العامل المشترك بين كل المسلسلات وهذه لا يمكن تجنبها بالمنع لأن الفتاة تحصل عليها بتبادل الأشرطة أو متابعته على الإنترنت أو حتى تحميله من صديقتها عن طريق الجوال والمنع لا يزيدها إلا الإصرار على المتابعة , والأم الحكيمة هي من تستغل مثل هذه الجلسات لفتح حوار شفاف مع أبنتها حوار الصديقة لصديقتها وعندها تكبر البنت وهي تعرف أن هذا منكر , وهذا خطأ , أيضاً تعطيها الفرصة لتصحح لها بعض الأمور المغلوطة , كأن تسألها عن رأيها في مسألة ما درستها أو تعلمتها أو حتى قرأتها في كتاب وهذا يعزز الثقة عند البنت ويقوي مداركها , الأب أيضاً مطالب بتقديم جرعات قوية من الحب لابنته فمعظم انحرافات البنات هو من باب البحث عن العاطفة والكلام الطيب والأب الذي يكون الصديق والأخ والأب لأبنته هو أب عظيم لأنه أعطاها جرعات كافية من الحنان وجعلها أكثر صلابةً واتزاناً , فمعظم مشاكل البنات أسبابها نفسية أكثر منها دينية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *