الأربعاء، ١٢ محرم ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ١٠ أغسطس ٢٠٢٢ ميلادى

المناهي اللفظية في الحالة المطرية

أ. د. أحمد بن عبدالله الباتلي

المناهي اللفظية في الحالة المطرية

عند نزول المطر، تنتشر بعض العبارات في وسائل التواصل؛ والتي تعد من المناهي اللفظية؛ فينبغي التنبيه عليها، والتحذير منها، وبعضها:

الدعاء عند رؤية البرق؛ فقد قال الشيخ ابن باز – رحمه الله- : “لم يرد دعاء خاص بذلك” ا.هـ. وإنما ورد عند سماع الرعد وغالبًا لا رعد إلا ببرق، ولا برق إلا برعد، ويقول: “عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه؛ أنه كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لأَهْلِ الأَرْضِ شَدِيدٌ”. رواه مالك في «الموطأ» موقوفًا بسند صحيح . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ قَالَ: “اللَّهُمَّ لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ”. أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) والترمذي.

والدعاء بنزول الغيث على القبور وأهلها كقولهم: “اللهم كما سقيت الأرض بمطرك؛ اسق قبورهم بعفوك”! أو قولهم: “عسى المطر يسقي ضيوف المقابر، ويغفر ذنوب أحبابنا والقرابة”!!

هذه الأبيات وهذه الأدعية فيها شرك والله أعلم؛ إذ كيف المطر يغفر الذنوب وكيف يسقي القبور؟! والميت في قبره لا ينتفع بالمطر؛ الذي ينفعه الدعاء والصدقات ونحوها. ومواطن الإجابة في الدعاء وقت نزول المطر من قول انبي صلى الله عليه وسلم: “ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر”. رواه الحاكم وحسنه الألباني في صحيح الجامع ( 3078).

وقولهم: انشقت السماء، ومن المعلوم أن السماء لا تنشق إلا يوم القيامة؛ قال تعالى (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ). وقولهم: “جاءنا مطر جور”، والجور هو الظلم، وهذا لا يجوز في وصف نعمة الله؛ فالمطر رحمة من الله (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ). وكان عليه الصلاة والسلام إذا نزل المطر يقول: “رحمة”. رواه مسلم. وكان يقول: “مطرنا برحمة الله، وبرزق الله، وبفضل الله”. رواه البخاري.

وقولهم: “سيل جبار”، وهذا فيه عدم توقير فضل الله علينا (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا).

وقولهم: “ما ندري من وين جاء هذا المطر؟!”؛ وهذا سؤال لا يليق، قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لكم منه شراب).

وقولهم: “جاءنا مطر ما هو بصاحي”. وهذا لا يجوز في حق الله الذي امتن على عباده بقوله: (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا). ويقول بعضهم: خرب علينا المطر، وهذا من سب المطر وهولا يجوز، والناس تفرح به وتستبشر بنزوله؛ قال تعالى: (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ).

وهناك مناسبة يجتمع فيها بعض الناس، ويحضرون بعض الأكلات الشعبية ويسمونها «عيد السيل» وهذه تسمية مُحدثة، يُخشى مع الأيام أن يظن أنها مشروعة !!

أما «زفة السيل» فهذه لا تنبغي؛ وليست من شكر النعمة، والمطر يُستقبل بالدعاء المشروع : (مطرنا بفضل الله ورحمته).

بعضهم يقول: “ليش ماجانا مطر؟”، وهذا فيه اعتراض على قدر الله عزوجل، قال تعالى: (… فَيُصيبُ بِهِ مَن يَشاءُ وَيَصرِفُهُ عَن مَن يَشاءُ)، وقال جل وعلا: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ). وقال عزوجل: (وما ننزله إلا بقدر معلوم). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: مَا مِنْ عَامٍ بِأَقَلَّ مَطَرًا مِنْ عَامٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا) .رواه الحاكم في “مستدركه” (3520)، وقال “صحيح على شرط الشيخين” ووافقه الذهبي . وعن ابن مسعود يرفعه قال: “ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار”. ذكره السيوطي في “الدر المنثور” (5/73) وعزاه للخرائطي في مكارم الأخلاق. قلت: وهذان لهما حكم الرفع؛ لأنها لا تقال من قبيل الرأي والاجتهاد؛ ويستفاد من ذلك: أن كمية المطر في كل عام واحدة لكن تصريفه يختلف على البلدان.

 وبعضهم يقول: “لا تقولوا المطر؛ وقولوا : الغيث”. ويستدلون على ذلك بأن المطر ومشتقّاته يُذكر غالبًا في القرآن الكريم؛ حين يُذكر العذاب والعقاب للأقوام الكافرة؛ والغيث يذكر للرحمة والخير …؛ وهذه ليست على إطلاقها؛ والصحيح أنه لا فرق بينهما؛ لحديث (مطرنا بفضل الله ورحمته) البخاري. وكثيرًا ما ترد في الأحاديث: أصابنا مطر.. وإذا نزل المطر قال (اللهم صيبًا نافعًا) البخاري.

ويقول بعض الفلكيين أو المتخصصين في الأحوال الجوية: سينزل المطر غدًا. وهذا لا يجوز؛ فنزول الغيث من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله (أِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ …)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله” البخاري. وعليهم أن يقولوا: “يتوقع بمشيئة الله نزول الأمطار يوم كذا”.. وحبذا عدم المبالغة في ذلك؛ لتكون القلوب متعلقةً بالله عزوجل.

ويكتب بعضهم: “نظرًا لسوء الأحوال الجوية؛ فقد تأجل كذا …” .. وهذا تعبير غير لائق، فعليه أن يقول لتغير الأحوال الجوية، وفقكم رب البرية.

أ. د. أحمد بن عبدالله الباتلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *