الإثنين، ١٠ محرم ١٤٤٤ هجريا ، الموافق ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ ميلادى

القصص

د .مالك الاحمد

المتمعن لحياة الناس، واتصالاتهم، وثقافاتهم، واهتماماتهم، يجد أن شيئاً واحداً يحبه الجميع ويستمتعون به، يتناولونه بطرق مختلفة، ويتلقفونه بأشكال متعددة إنه “القصص”.

قال تعالى: “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ”، “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ”.

القرآن كما قسمه العلماء ثلاثة أصناف: أحكام، وعقيدة، وقصص، وتكاد القصص تجاوز الثلث.

قصص القرآن عرضت بأساليب متعددة أحياناً مفصلة بالكامل، وأحياناً مقتطفات من القصة، وأحياناً مواقف بحسب السياق.

قصص الأنبياء وما لقوه من أقوامهم، قصة أصحاب الكهف، ذي القرنيين، بقرة بني إسرائيل، أصحاب السبت، طالوت وجالوت، قابيل وهابيل، أصحاب الأخدود، أصحاب الفيل، وغيرها…

قصص القرآن جميعها حقيقية، والغرض الأساسي لها هو العبرة والعظة، وبالنسبة للرسول (صلى الله عليه وسلم) للتسلية والتثبيت، ولا يمل المسلم من تكرار قراءة القصص في القرآن؛ لأن الإعجاز متحقق فيها كما في باقي الآيات.

 

الحديث النبوي أيضاً احتوى على الكثير من القصص: قصة العابد جريج، قصة الرجل الذي قال: كفى بالله وكيلاً من بني إسرائيل، عندما سأله بعض بني إسرائيل أن يُسْلِفَه ألف دينار..”، قصة أصحاب الأخدود جاءت بطولها وتفاصيلها في الحديث…، قصة السحابة: بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: اسقِ حديقة فلان، فتنحّى ذلك السحاب..”..

القصص لها أغراض متعددة بحسب القصة، وأسلوب العرض، وهل هي حقيقية أم خيالية.

 

في معاش الناس منذ القدم كانت القصص من الأهمية بمكان، فقد تكون للتسلية، أو الإخبار عن حوادث سابقة، أو إثارة حماس الناس، أو حتى لقضاء الوقت.

إلى عهد قريب كان في بعض مقاهي القاهرة، وبعض العواصم العربية “الحكواتي” الذي يقص على الزبائن السير القديمة الذي تثير الحماس، وتشد الانتباه وبعضهم يمثل بعض المواقف أثناء عرض القصة، ومن أشهرها أبوزيد الهلالي، وسيرة عنتزة بن شداد، وسيف بن ذي يزن.

القصص ليست حكراً على العرب، فهاهم اليابانيون الذين سادوا العالم علمياً يخصصون أماكن للقصاص، حيث يحضر الناس فقط للاستماع للقاص المحترف، والذي يجلس على الأرض إلى منضدة أمامه ويقرأ القصة مع تقمص كامل للشخصيات وحركاتها وأدائها، فالسيف في يده اليمنى، والعصا لا تفارق شماله، ويقوم ويجلس ويعلو ويهبط والحضور تتملكهم الدهشة، ويتابعون بفضول شديد وهم جلوس لا يأكلون ولا يشربون حتى انتهاء الفقرة.

 

حب الناس للقصص جعلهم يتابعونها بقوالبها المختلفة، مسموعة كتمثيليات إذاعية، أو مرئية كأفلام ومسلسلات، أو مقروءة بالكتب، فضلاً عن فغر كل منهم فاهه عندما يسرد المقابل لهم قصة وقعت له أو حادثاً تعرض له.

لا يهم كثيراً أن تكون القصة حقيقية أم خيالية، فالمطلوب هو أداء متقن من خلال شخصيات محترفة، وبقوالب فنية راقية، حتى لو استدعى الأمر شيئاً من الخدع السينمائية، والمبالغات الخيالية.

الناس يحبون القصص، ويتأثرون بها بشدة، هم يعلمون أنها خيالية وتمثيل، ومع ذلك فالعيون تذرف، والآذان تصغي، واليدان تعبثان، والوجه مشدود.

أدرك الغرب أهمية القصص ودورها الإنساني فاستخدمها في التعليم، وكذلك في نشر الثقافة، ولا يفوت أنها كانت جزءاً من حملات سياسية مدروسة.

أغلب الأعمال الأدبية وحتى الإعلامية العالمية الناجحة، والتي استحقت الجوائز كانت قصصاً، والكثير منها مستقى من التاريخ سواء القريب أم البعيد، وحتى الخيالية منها كانت قريبة من واقع الناس وحياتهم الاجتماعية؛ مما أهلها للقبول والرضا.

وأخيراً، أكثر الكتب طباعة وتوزيعاً في العالم أجمع هي القصص، وأبرز مثال على ذلك قصص “أجاثا كرستي” الكاتبة البريطانية، والتي ترجمت إلى معظم لغات العالم، وطبع منها أكثر من ألفي مليون نسخة (فقط لا غير!).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *