الشيخ «محمد بن إبراهيم آل الشيخ».. أول مفتي للمملكة ومؤسس «هيئة كبار العلماء» | صحيفة تواصل الالكترونية

الشيخ «محمد بن إبراهيم آل الشيخ».. أول مفتي للمملكة ومؤسس «هيئة كبار العلماء»

2
الشيخ «محمد بن إبراهيم آل الشيخ».. أول مفتي للمملكة ومؤسس «هيئة كبار العلماء»

تواصل – فريق التحرير:

من نعم الله على العباد أن جعل في كل زمان رجالاً من أهل العلم والفضل، يسهمون في هداية من ضل إلى الهدى، ويبصرونهم من العمى، بأمر الله، ويأخذون بأيدهم إلى طريق الهدى والخير والرشاد.

والحديث عن العلماء وفضلهم وسيرتهم من الأمور التي ينفع الله بها العباد، ففيه اقتداء بأهل الخير والفضل والعلم، وجذوة من نور تضيء الطريق أمام الأجيال اللاحقة وطلاب العلم.

ومن هؤلاء العلماء الأجلاء الشيخ الإمام المحدث الفقيه الداعية مفتي المملكة الأسبق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

مولده ونشأته ونسبه:

هو أبو عبدالعزيز، محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي، من آل مشرف، أحد أفخاذ الوَهَبَة، من بني تميم.

ولد رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى يوم عاشوراء من عام 1311هـ، حدثني الشيخ عبدالله بن إبراهيم رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى – أخو الشيخ الأكبر – قال: كانت أمه صائمة عاشوراء يوم ولدته اهـ.

أبـوه هـو الشيـخ القـاضي إبراهيم ابن عبداللطيف، وأمه هي (الجوهرة بنت عبدالعزيز الهلالي) من (عرقة) من المزاريع من بني عمرو من تميم.

نشأ نشأة دينية علمية، في بيت علم ودين، فأدخل الكتّاب في صغره فحفظ القرآن مُبَكِّراً، ثم بدأ الطلب على العلماء مُبَكِّراً قبل أن يبلغ السادسة عشر.

فقدانه لنعمة البصر:

أُصِيبَ آل الشيخ بمرض في عينيه وهو في هذه السن، ولازمه سنة تَقْرِيبَاً حتى فقد بصره في حدود عام 1328هـ وهو في سن السابعة عشرة – كما حدثني هو رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى بذلك – .

وكان يعرف القراءة والكتابة قبل فقده لبصره، ويوجد له بعض الأوراق بخطه قبل أن يفقد بصره، وكان يعرف الكتابة حتى بعد فقده بصره وشاهدته رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى يكتب بعض الكلمات على الأرض.

أشهر مشايخه

بعد أن فقد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بصره استمر في طلبه العلم حتى نبغ مُبَكِّراً، وتصدر للإفتاء والتدريس، ونهل العلم من كوكبة من العلماء الأجلاء في زمانه منهم: (الشيخ عبدالرحمن بن مفيريج، عمه الشيخ عبدالله بن عبداللطيف، الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، الشيخ عبدالله بن راشد، الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع).

من أَعْمَاله التي تولاها:

1 –  عين قاضياً في (الغطغط) واستمر في هذا العمل ستة أشهر، وتزوج الشيخ من أهلها أثناء إقامته هناك.

2 – كان إماماً لمسجد الشيخ عبدالرحمن ابن حسن – المسمى الآن مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم، وكان خطيباً للجامع الكبير، واستمر في الإمامة والخطابة إلى موته رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.

3 – كان له حلقة تدريس في مسجده بعد الفجر، وفي بيته في الضحى، وفي مسجده أَيْضَاً بعد العصر أَحْيَانَاً.

4 – وكذلك كان مفتياً للبلاد، وذلك قبل فتح (إدارة الإفتاء) رَسْمِيّاً هو الذي يفتي، ثم افتتحت (إدارة الإفتاء) رَسْمِيّاً في شهر شعبان من عام 1374هـ تحت إشرافه.

5 – ولما افتتحت رئاسة المعاهد والكليات أَيْضَاً كان هو الرئيس، وكان قد أناب عنه أخاه الشيخ عبداللطيف.

6 – ولما تأسست رئاسة القضاء عام 1376هـ عمد رَسْمِيّاً برئاسة القضاء، ووضعت لها ميزانية خَاصَّة، وعين ابنه الشيخ عبدالعزيز نائباً له فيها، والشيخ عبدالله بن خميس مديراً عاماً.

7 – لما افتتحت رئاسة البنات عام 1380هـ كان هو المشرف العام عليها، فوضع الشيخ عبدالعزيز ابن ناصر بن رشيد رَئِيسَاً عليها، ثم عين بَدَلاً مِنْه الشيخ ناصر بن حمد الراشد.

8 – بعد افتتاح رابطة العالم الإسلامي كان هو رئيس المجلس التأسيسي لها، وكان الأمين للرابطة هو محمد سرور الصبان.

9 – مؤسس الجامعة الإسلامية عام 1380هـ، وتولى رئاستها، وعين نـائباً له الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز.

من أشهر طلابه:

تخرج وتتلمذ على يد الشيخ محمد بن إبراهيم ونهل من علمه مجموعة من العلماء والقضاة والدعاة، من أشهرهم: سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، وسماحة الشيخ عبدالله بن حميد، والشيخ عبدالرحمن بن قاسم، وابنه محمد، والشيخ عبدالله بن دهيش، والشيخ عبدالله بن عقيل، والشيخ عبدالله بن جبرين، والشيخ عبدالله القرعاوي، والشيخ عبدالعزيز بن رشيد، والشيخ صالح اللحيدان، وغيرهم.

إنجازاته العلمية والدعوية

في سنة 1370هـ أسس الشيخ معهد الرياض العلمي، ليكونَ أول معهد شرعي في نجد بمناهجَ قوية تؤسِّس طالب العلم الجيد، ثم تلته معاهد متعددة في المملكة.

وفي سنة 1373هـ أُسِّست كلية الشريعة في الرياض، تلتها كلية اللغة العَرَبِيّة في السنة التالية، وكان الشيخ رئيسَ الكليات والمعاهد العلمية، التي تحوَّلت فيما بعد إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

وفي سنة 1374هـ أسَّس معهد إمام الدعوة في الرياض، وباشر التدريسَ فيه بنفسه، وكان مستوى التدريس قويّاً؛ كما أخبرنا شيخُنا عبدالله بن جبرين.

وفي شعبان من السنة نفسها أسَّس دار الإفتاء لتنظيم أمورها.

وفي سنة 1376هـ أسَّس رئاسةَ القضاة، وتولى أمورها في نجد والمنطقتين الشرقية والشمالية، في حين تولى سماحة الشيخ عبدالله بن حسن رئاسةَ القضاة في الحجاز، ولما تُوُفِّيَ الأخير سنة 1378هـ توحَّدت رئاسةُ القضاة برئاسة المترجم.

وفي سنة 1379هـ أُنشئ المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي، فكان رَئِيسَاً له.

صفاته ومناقبه:

كان رَحِمَهُ اللَّهُ تقيّاً عابداً.. ذكر تلميذُه الشيخ ابن قاسم رَحِمَهُ اللَّهُ أنه كان يقوم قَرِيبَاً من ساعة ونصف آخرَ الليل، ويواظب عليها سفراً وحضراً، كما كان من أهل الخشية، والذكر، والاستغفار، والبكاء، ولا يرضى بغيبة أحد في مجالسه.

وكان مع إقبال الدنيا عليه ورعاً زاهداً، وكان سماحته برغم أَعْمَاله الرئاسية الكثيرة لا يتقاضى عليها رواتبَ، إلا راتب رئاسة القضاة.

وكان رَحِمَهُ اللَّهُ مَهيباً قوياً في أمر الله، ومن طالعَ قراراته وأحكامَه في مجموع فتاويه رأى عجباً، كما أن له مواقفَ جريئة مشهورة في نُصرة طلبة العلم، والدعاة، وأهل الحسبة، والوقوف بجانبهم.

وفاته رَحِمَهُ اللَّهُ:

في شعبان من عام 1389هـ خرج الشيخ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى عمله كالعادة، وكان على وجهه أثر صفرة ظاهرة، فرجع إلى بيته فسأل أهل البيت فأَشَارُوا عليه بالذهاب إلى (المُسْتَشْفَى المركزي)، فأجروا له بعض التحاليل، فاكْتَشَفَوا إصابته بأحد الأمراض المستعصية فلم يخرج من (المستشفى) إلا عند تحري رؤية هلال رمضان حيث خرج إلى البيت فلما ثَبَتَ الشهر عاد إلى المستشفى.

ثم صَدَرَ أمر ملكي بنقله إلى (لندن) لمواصلة العلاج، فلما وصل (لندن) أجروا له الفحوصات والتحاليل اللازمة، فرأوا أن المرض بلغ غاية لا ينفع معها عملية أو علاج، ثم دخل في غيبوبة رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى وهو هناك، فرجعوا به إلى (الرياض) على طائرة خَاصَّة محمولاً على (نقالة) وبقي في غيبوبة حتى وافته المنية رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في الساعة الرابعة صَبَاحَاً – بالتوقيت العَرَبِيّ – من يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان من عام 1389، وصُلي عليه بعد صلاة الظهر من نفس اليوم، وأم الناس عليه الشيخ ابن باز، وامتلأ المسجد وجميع الطرقات المؤدية إليه؛ حتى أن كَثِيرَاً من الناس لم يدركوا الصلاة عليه من الزحام، وحُمل على الأعناق إلى مقبرة “العود” بالرياض.

٢ تعليقات