الرسالة: مرحلة الحكمة والتفكير المتزن | صحيفة تواصل الالكترونية

الرسالة: مرحلة الحكمة والتفكير المتزن

0
الرسالة: مرحلة الحكمة والتفكير المتزن
د.محمد خيري آل مرشد

يمر الإنسان بمراحل عدة في حياته فبين طفولة، ومراهقة، وشباب، ونضج، ورشد.. إلخ، وكل له تفاصيله من زاوية العمر العقلي الذي يرافق العمر الزمني.. ما يَسِمُ تلك المراحل نوعية التقدم الفكري الذي يكتسبه الإنسان متحولاً من مرحلة لأخرى. هذه المكتسبات الفكرية والتجاربية الجديدة تنعكس بأشكال التفاعل الذي يبديه الإنسان مع ذاته ومع محيطه.

نتفاعل عادة مع كل ما يطرح حولنا أو معنا مباشرة بأشكال وطرق مختلفة، تختلف درجات هذا التفاعل حسب مراحل العمر التي نحن فيها، وخاصة من حيث التقييم الصحيح والتفاعل معه إيجاباً أو سلباً.. فتفاعلنا ونحن بمرحلة المراهقة غيره عن مرحلة الشباب، وهو يختلف عنه في مراحل متقدمة من العمر التي ترافق النضوج الفكري.

وفي مرحلة ما تتسع فيها المدارك إلى أبعد حدودها وتصل فيها الخبرات إلى مستويات عالية، تسبقها تحصيل معارف وعلوم تؤهل الإنسان لأن يمتلك نفسه وحياته بشكل أجمل بشكل منضبط أكثر، حيث يتفاعل مع الأمور والأحداث على قاعدة المعرفة والخبرة برزانة أكثر وهدوء أطول، على مبدأ يا جبل ما يهزك ريح، بسعة صدر وتفهم، وبالوقت ذاته بعقل يقظ متَّقد وواعٍ.. يمتص فيها غضب الآخرين بسهولة، لا ينشغل كثيراً بالتفاهات ولا ينفعل للسفاهات..! حيث إنه صعب الاستدراج لمعارك جانبية غير ذات معنى.. لن يُشارك في جدالات عقيمة مثلاً، ويبتعد عن مصادر القلق ويتخذ مواقفَ بالابتعاد عن كل مصدر دخان يعكر بيئته الجميلة.. تراه أكثر صبراً وأجمل حكماً!

الاختبار الصحيح للتعرف على هذه الحكمة مريحة حقيقة للفكر وللأعصاب، وهي أن يسمع كل ما يروى، ورغم معرفة حقيقته تماماً، إلا أن الإنسان يفضل الاستمتاع لما يقال حين يكون الآخر منشغلاً في تشكيل صورة ما، أو خبر ما، أو حدث ما، منهمكاً جداً في محاولة تشكيل صورة مقنعة قد تخالف الحقيقة.

وبما أن الحقائق لا تحتاج كثيرَ عناء لتقديمها، إلا أن ما يصطنع يحتاج إلى ذلك.. هذه الفترة الزمنية هي ما يطلق عليها البعض المرحلة الملكية، وأتصور أن ما يناسبها أكثر هو اسم مرحلة الحكمة من التفكير المتزن.. مرحلة المسؤولية.. مسؤولية المنطق بلا حشو فارغ ومسؤولية الفعل.. فلا إفراط في القوة ولا تفريط ببلادة..! إن جل اهتمام الإنسان في هذه المرحلة أن يكون أجمل ما يكون في تصرفاته، وأن يعيش حياته دون كدر، مركزاً في الوقت ذاته على داخله؛ أي راحته النفسية، وداخله أي بيته وما يضم، وبالوقت ذاته يحمل ويتحمل مسؤولياته الاجتماعية وغيرها بعقل ناضج وبحكمة بالغة.

في هذه المرحلة يرى الإنسان سعادته فيما لديه.. بالوقت ذاته يعمل على تعميم هذه السعادة والمحبة بحكمة العلوم التي تجمل بها والخبرات التي اكتسبها، لتشمل الجميع لكن بطريقة أخرى بتفاعل آخر بحكمة أجمل! ما يميز هذه الحقبة الزمنية من حياتنا النفَس الطويل والطبخ على نار هادئة في إيجاد مخارج جميلة لأحداثها، وذلك أن الإنسان يقتنع أنه لا يستطيع تغيير الكون كله، فيتقبل الكثيرين ممن هم أمامه ويختلف معهم، فلا يسعى لتغيير هذا العالم بطريقة الانفعال ويتفاعل مع كل ذلك بطريقة أكثر حكمة وتأثيراً، متجاوزاً الأشخاص الذين ليس لهم وزن في أي تغيير؛ أي ليس هم مفتاح أي تغيير.. نعم، لا نستطيع تعليم الجميع وتثقيف الجميع وتأهيل الجميع لما نراه علماً ونوراً وثقافة وتأهيلاً.

ورأى البعض أن كثيراً ممن هم حولنا جهلاء دعهم ومصيرهم.. كما يرون أن عليك أن تكون سلبياً بشكل عام، غير متفاعلٍ وغير إيجابي وهذا خطأ كبير.. في هذه المرحلة المتزنة من حياة الإنسان فإنه يستطيع أن يقوم بدور تنويري أكثر تأثيراً وجمالاً، وبطريقة هادئة أكثر، وأسلوب جاذب أفضل؛ يتطلب أن يساعد في بث النور، ولو في بعض ظلمات هؤلاء، فلتكن شمعة تنوير لا خشبة نار.

في هذه المرحلة إدارة معركة الحياة تتم بطريقة أخرى، طريقة تجزيء الجبهات، والتعامل مع كل منها على حدة، لا يركن إلى المهادنة التامة، لا يقتنع بأن كل ما يسمعه ويراه هو واقع يجب العيش فيه دون أن يحرك ساكناً لتغيير بعضه إيجاباً، ولكن يتعامل مع كل هذا من مواطن التأثير فيه، وهذا دور أي إنسان إيجابي عاقل، نقول: إن من الناس من يعيش هذه المرحلة الحكيمة بمختلف مراحل عمره، وخاصة الرشيدة منها فهو ملك أحاسيسه، ملك قناعته، ملك تصرفاته، تقييمه لكل شيء ينبع من رزانة تفكيره، واستقرار مبادئه، فقيمة الحياة عنده بما تحتويه من جمال، فلا يحسد أحداً على مال، جميل احترامي.