تاريخ أمة وحاضرها.. قصة تطور «العملة» في المملكة وصولاً للإصدار السادس | صحيفة تواصل الالكترونية

تاريخ أمة وحاضرها.. قصة تطور «العملة» في المملكة وصولاً للإصدار السادس

0
تاريخ أمة وحاضرها.. قصة تطور «العملة» في المملكة وصولاً للإصدار السادس

تواصل – خالد العبدالله:

كشفت مؤسسة النقد العربي، اليوم الثلاثاء، النقاب عن تصاميم الإصدار السادس من العملة الورقية والمعدنية “ثقة وأمان” في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله -.

وأتاح هذا الحدث المجال لإلقاء الضوء على تطور النظام النقدي في المملكة حتى وصوله إلى الوضع الحالي، تلك الرحلة المشرقة التي تحكي تاريخ المملكة منذ عهد المؤسس رحمه الله وصولاً إلى الإصدار الجديد في عهد خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز.

نظام المقايضة

كانت الجزيرة العربية قبل دخول الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل مدينة الرياض سنة 1319هـ تعاني أوضاعاً اقتصادية صعبة؛ مما أدى إلى تحويل معظم مجتمعاتها إلى قبائل رحل تعتمد في إتمام عملياتها التجارية بشكل كبير على نظام المقايضة، ويكاد هذا الوضع ينطبق بشكل كبير على الأجزاء الداخلية من البلاد.

ووضع الملك عبدالعزيز بعد فتح مدينة الرياض، حجر الأساس لحياة جديدة في جزيرة العرب، وأعاد بناء الحياة السياسية، لينطلق منها لتوحيد أجزاء البلاد المتناثرة تحت راية التوحيد، إلى أن تم له ذلك بعون الله وتوفيقه، واستطاع أن يبني دولة مترامية الأطراف، وأن يضع لها الأنظمة والقوانين التي تكفل حمايتها واستمراريتها، معتمداً في ذلك على الشريعة الإسلامية.

وكان النظام النقدي في معظم أقاليم الجزيرة العربية بصفة عامة، وأقاليم البلاد بشكل خاص، يعاني فوضى وتدهوراً لم يشهدهما من قبل. فمعظم النقود الأجنبية من ذهبية وفضية وبرونزية ونحاسية جرى التعامل بها في هذه البلاد بغض النظر عما إذا كانت تلك النقود تنتمي إلى دولة قائمة آنذاك، أو إلى دولة زال حكمها منذ زمن.

في ظل هذه الفوضى النقدية لم يكن أمام الملك عبدالعزيز في بداية الأمرـ أي بعد دخوله مدينة الرياض وسيطرته على معظم إقليم نجد ـ سوى أن يقبل ولو بشكل مؤقت بهذا الوضع، حيث أبقى على التعامل بالنقود المتوفرة بالأسواق آنذاك، إلا أن إيجاد نقد موحد يتم تداوله في مناطق نفوذه آنذاك، كان هاجساً يراوده كثيراً.

الريال الفرانسي

وكانت أهم العملات المتداولة في هذا الوقت على الإطلاق التالر النمساوي، أو ما يعرف بـ ” دولار ماريا تريزا ” والمعروف محلياً باسم “الريال الفرانسي” وهو الاسم الذي أصبح مجازاً اسماً رسمياً لهذا النقد في معظم أقاليم الجزيرة العربية، بل وبعض الأقطار العربية.

وإلى جنب الريال الفرانسي تم تداول أنواع مختلفة من النقود العثمانية الذهبية والفضية والنحاسية. وان كانت النقود الفضية والنحاسية ومثلها النقود (الكوبر نيكل) هي الأكثر انتشاراً وسيادة في التداول بين الناس؛ ذلك لأن هذه العملات تمتاز عن غيرها بفئاتها المتعددة التي جعلت منها نقوداً رائجة في المعاملات التجارية.

أول نقد سعودي

إلا أن حاجة السوق المحلية كانت تتطلب كميات أكبر من النقود؛ الأمر الذي دفع الملك عبدالعزيز إلى سك نقود تفي بحاجة السوق. فجرى سك كميات كبيرة من النقود النحاسية من فئة نصف القرش، وفئة ربع القرش. نقش على وجهها اسم الملك عبدالعزيز كاملاً (عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود) على هيئة طغراء أو بالخط الطغرائي، وتاريخ سكها سنة (1343هـ)، أما ظهر الفئتين فقد نقش عليها القيمة النقدية لكل منهما، ومكان السك وهو أم القرى.

وبذلك يعد هذا الإصدار بفئتيه (نصف قرش، وربع قرش) أول الإصدارات السعودية النقدية، بل إنه نقد قانوني جرى التعامل به وفقاً للأوامر الصادرة آنذاك، وما نقش عليه من عبارات لا تختلف في مضمونها عن أي نقد آخر.

ونظراً لحاجة السوق إلى كميات إضافية من هذه النقود أمر الملك عبدالعزيز في السنة نفسها بسك كمية أخرى جاءت على غرار طراز القطع السابقة مع بعض الاختلاف في طريقة نقش اسم الملك، حيث ورد على النحو التالي: (عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل). ومع بداية سنة 1344هـ (1926م) أمر الملك عبدالعزيز بسك كمية أخرى من فئة نصف القرش فقط.

القرش

ومن الإصلاحات النقدية التي شرع بها الملك عبدالعزيز بعد دخوله الحجاز وتوحيده مع باقي أجزاء دولته، ما قام به في عام 1344هـ (1926م) حيث أصدر الملك عبدالعزيز أمره بسك نقود جديدة من فئة القرش الواحد، وفئة نصف القرش وفئة ربع القرش والتي جرى سكها من معدن الكوبر نيكل، وقد حملت هذه النقود الجديدة اسم ولقب الملك عبدالعزيز آنذاك (عبدالعزيز السعود/ ملك الحجاز وسلطان نجد).

وشهدت سنة 1346هـ العديد من التطورات النقدية، فكان أولها أن قام عبدالعزيز بإلغاء التعامل بجميع النقود المتداولة كالعثمانية والهاشمية وغيرها. حيث أمر بطرح نقوده الجديدة التي حملت لقبه السابق، ويظهر هذا اللقب على النقود التي جرى سكها من معدن (الكوبر نيكل) من فئة القرش، ونصف القرش، وربع القرش والتي جاء تصميمها مطابقاً لتصميم القرش وفئاته المضروب سنة 1344هـ. باستثناء سنة السك 1346هـ التي نقشت أسفل ظهر القطعة النقدية.

untitled-3

أول ريال عربي خالص

وخلال السنة نفسها (1346هـ) قام الملك عبدالعزيز بخطوة تعد من أهم المراحل التي مرت بها عملية الإصلاح النقدي إبان تلك الفترة. فقام يرحمه الله بطرح أول ريال عربي سعودي خالص، جرى سكه من معدن الفضة على غرار الريال المجيدي.

واشتمل على عبارات وأرقام، نقشت على هيئة كتابات مركزية وأخرى هامشية. فقد ورد على مركز الوجه داخل دائرة اسم الملك كاملاً (عبدالعزيز بن عبدالرحمن السعود)، في حين تضمن الهامش لقبه (ملك الحجاز ونجد وملحقاتها) وشعار الدولة: (سيفين متقاطعين داخل شكل شبه مستطيل نقش بجانبه نخلتان). أم الظهر فقد نقش في مركزه مكان السك وتاريخه (ضرب في مكة المكرمة 1346هـ) بينما اشتمل الهامش على القيمة بالأحرف والأرقام.

وفي عام 1351هـ صدر المرسوم الملكي رقم 2716 وتاريخ 7/5/1351هـ (22/9/1932م) بتحويل البلاد من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها إلى المملكة العربية السعودية، وتقرر استخدام لقب (ملك المملكة العربية السعودية) بدلاً من لقب (ملك الحجاز ونجد وملحقاتها). إلا أن هذا اللقب لم يظهر على النقود إلا في سنة 1354هـ (1935م) عندما جرى طرح أول نقد سعودي حمل الاسم الجديد للدولة بعد توحيدها، وكان ذلك على الريال الفضي الجديد وأجزائه من فئة نصف الريال، وفئة ربع الريال.

تميز هذا الريال بصغر حجمه، وخفة وزنه مقارنة بالريال السابق. إذ بلغ وزنه 11.65جم؛ أي أقل من نصف وزن الريال السابق. كذلك تميز بارتفاع درجة نقاوته التي بلغت0.916 وبذلك يكاد يطابق الريال الجديد في مواصفاته مواصفات الروبية الهندية، النقد الأكثر تداولاً بين النقود الأجنبية السائدة آنذاك.

2323

تدشين مؤسسة النقد

وفي أوائل عام 1371هـ (1952م) وبعد الاضطراب الكبير الذي تعرضت له نظم الصرف والمدفوعات، وافق الملك عبدالعزيز على استقدام بعثة مالية أمريكية. يرأسها المستشار المالي الاقتصادي آرثر يونج لتقديم المشورة في النواحي المالية الاقتصادية ولتطوير أنظمتها النقدية، وبناء على التقارير والتوصيات التي قدمها “آرثر يونج” بإنشاء مؤسسة تعنى بالأمور النقدية للبلاد.

وبعد التشاور مع الملك سعود يرحمه الله الذي كان وقتها أميراً حول ماهية هذه المؤسسة، تم التوصل إلى اسم المؤسسة ومهامها وأهدافها، عند ذلك صدر المرسومان الملكيان برقمي 30/4/1/1046 و30/4/1/1047، وتاريخ 25/7/1371هـ (20/4/1952م) بإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي، واعتماد نظامها الأساسي.

أقدم بنك مركزي عربي

وبذلك باشرت مؤسسة النقد التي تعد ثاني أقدم بنك مركزي في العالم العربي عملها في 14/1/1372هـ (4/10/1952م) وكان من المهام الأولى التي ألقيت على عاتق المؤسسة استكمال نظام النقد السعودي.

فطرحت المؤسسة في بداية شهر صفر من عام 1372هـ الجنيه الذهبي السعودي، الذي حدد سعر صرفه بمبلغ (40) ريالاً فضياً سعودياً؛ أي ما يعادل (10.90) دولار، وهو سعر متوافق مع السعر المستهدف للريال مقابل الدولار (3.70 ريال للدولار الواحد). وقد قامت المؤسسة حينها بجهد جبار في المحافظة على هذا السعر، ومارست كافة صلاحياتها بالتعاون مع الجهاز المصرفي لتحقيق هذا الهدف، ثم بدأت إصدار العملات في المملكة بإصداراتها المختلفة كما يلي:

إيصال الحجاج

في 14 ذي القعدة 1372 هـ الموافق 25 يوليو 1953م، قامت مؤسسة النقد بإصدار ما عرف آنذاك بإيصالات الحجاج وطرحها للتداول، وقد كانت تلك الإيصالات من فئة العشرة ريالات، والتي طبع منها خمسة ملايين إيصال، كطبعة أولى، كتب على هذا الإيصال عبارات متعددة باللغة العربية، والفارسية، والإنجليزية، والأردية، والتركية، والمالاوية، ما يحفظ لحاملها قيمة هذا الإيصال من الريالات الفضية السعودية.

وقد لاقت هذه الإيصالات استحسان وقبول الحجاج، ونالت ثقة السوق المحلية من تجار ومواطنين. ذلك الأمر دفع بالمؤسسة إلى إعادة إصدار تلك الفئة وفئتين جديدتين أخريين من فئة الخمسة ريالات سنة 1373 هـ (1954م)، وفئة الريال الواحد سنة 1375 هـ (1956م) ولم يستبدل المواطنون والحجاج تلك الإيصالات بالعملة المعدنية، بل استمروا في تداولها.

untitled-3

الإصدارات الورقية

لاحقاً أصدرت المؤسسة عملة الريال السعودي الورقية من فئة 1، 5، 10، 50، 100، في إصداراتها الثلاثة الأولى بعد إصدار إيصالات الحجاج، وذلك في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز، والملك فيصل، والملك خالد، على التوالي، كما تمت ولأول مرة إضافة صورة لملك على العملة الورقية النقدية في عهد الملك خالد، وكانت تحمل صورة الملك فيصل بجميع فئاتها ما عدا فئة 100 ريال التي حملت صورة الملك عبدالعزيز.

untitled-3

وفي الإصدار الرابع وتحديداً في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز تمت إضافة فئة 500 ريال التي حملت صورة الملك عبدالعزيز، بينما بقية الفئات حملت صورته، وقد تم في عهده أيضاً عمل إصدار خاص بمناسبة المئوية على تأسيس المملكة، ويشتمل هذا الإصدار على فئتي 20 و200 ريال وقد حملت صورة الملك عبدالعزيز.

untitled-3

وفي سنة 1428 هـ الموافقة 2007 – 2008، في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله تم طرح الإصدار الخامس والذي جاء بنفس الفئات المستخدمة في الإصدار الرابع دون الإصدار الخاص بمناسبة المئوية، وهذا الإصدار يحمل صورة الملك عبدالله في جميع فئاته ما عدا فئة 500 ريال التي تحمل صورة الملك عبدالعزيز.

untitled-3

يأتي ذلك فيما تستمر قصة ومسيرة النجاح وصولاً إلى عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز والإصدار السادس للعملة الذي كشفت عنه مؤسسة النقد اليوم.

screenshot_1-1