الدين بزنس | صحيفة تواصل الالكترونية

الدين بزنس

0
الدين بزنس
د مالك الاحمد

 

لم يُعهد في تاريخ المسلمين، منذ القديم، أن يتحول تعليم الدين لعامة الناس مجالاً للتكسب.. كنت أطالع قناة “هادفة” تعلن في جزء منها رسالة كالآتي:

رقية فك السحر.. أرسل… إلى رقم كذا.. طبعاً قيمة الرسالة 5 ريالات..

وأيضاً هناك رسائل للعائن (المصاب بالعين) وأخرى منوعة بحسب رغبة المشاهد…!

إحدى الجهات خصصت رقماً لطلب الفتوى وقيمة الاتصال مضاعفة عدة مرات (لزوم العملية)..

في بداية خدمة الرسائل العامة بالاشتراك انخرطت بعض الجهات الإسلامية أخذت ترسل رسائل تحتوي على أشياء تعليمية صرفة ما ينبغي أن تكون مجالاً للاستفادة والتربح..

نعم بعض الأشياء لا تمثل حاجة دينية صرفة، وهي من بند الاهتمام الشخصي كالاستماع للقارئ الفلاني مقابل كذا، أو الشاعر العلاني مقابل كذا، أو مقتطفات ذات متعة وفائدة عامة لا بأس بها، لكن أن تكون الأحاديث الفلانية مقابل كذا، والآيات المتخصصة مقابل كذا فهذا محل نظر…! ومنذ متى أصبح الدين وسيلة للتكسب المادي؟!..

التعليم النظامي الرسمي حتى لو كان دينياً كالكليات الشرعية وبمقابل خيار معقول لأن الطالب سيحصل على شهادة، وهناك مصاريف والدراسة رغبة شخصية وليست إلزامية.. وما قد يتعلمه الطالب في هذه الكلية يجاوز الحاجة المعتادة..

لنتخيل معاً شيخاً في المسجد له دروس في السيرة أو الفقه أو التفسير يطالب الحضور بدفع مقابل مادي للاستماع للدرس ألا يقال عنه جنون!!…

شيء قريب من هذا قد يحدث دون أن ينتبه له الكثيرون!..

بعض الدعاة استفاد من الشهرة التي حصل عليها (بسبب حب الناس للدين وحملته) وبدأ يطلب أرقاماً فلكية للمشاركة في المنشط الفلاني، أو الكلمة العلانية!

أحدهم لديه 6 منسقين “لزوم الشغل” ويأخذ 3 آلاف ريال مقابل كلمة من 5 دقائق (بزعم أنه جهده الشخصي!)

أشد ما يؤلمك عندما يتحدث البعض عن الجنة والنار ويرعد ويزبد ويأخذ بعدها بضعة دراهم! والأدهى أن يجيز ذلك الأمر لنفسه!

بعض العلماء وطلبة والدعاة أغلقوا أبواب منازلهم، وصار الوصول إليهم دونه خرط القتاد، الوصول لمدير المكتب قضية، وكيما يرد عليك فهذه تحتاج فذلكة.

أحد المشهورين حاولت التواصل معه بخصوص برنامج تلفزيوني والقضية هامة جداً، طبعاً من خلال جواله الشخصي الذي بالكاد حصلت عليه، لكنه لا يرد أرسلت رسائل أيضاً لا يرد، بينت له أن تفاصيل الموضوع وأن الأمر مرتبط به أيضاً لا يرد.

دلوني على مدير المكتب والذي أجاب ظاناً أن في الأمر صفقة! وعندما بينت له الأمر لم يرد، أرسلت التفاصيل على الجوال أيضاً لم يرد، اكتشفت أن ما أتكلم عنه يعارض مصالح شخصية مادية فتركتهم.

لا بأس أن يعمل “الداعية” في التجارة، أو الوظيفة، ويستغني عن الناس، لكن أن يكون العمل الدعوي مصدر رزقه فهذه صعبة.

رحم الله بن باز كان منزله مفتوحاً، وصدره متسعاً للجميع، المخالف فضلاً عن الموافق، اليوم مواعيد قبل أشهر ويدرس الموضوع، وأيضاً كم العائد المادي؟!

من أسباب هوان الأمة قلة العلماء والدعاة المخلصين الذين باعوا الدنيا، ونذروا أنفسهم للناس تعليماً، وإرشاداً، وتوعية دون انتظار مصلحة.

نُحمّل الحكومات مسؤولية ما يجري في عالمنا العربي والإسلامي – وهي مسؤولة ولا شك – لكن عندما يغيب المصلحون وينزوي العلماء، ويتكسب من الدعوة بعض الفضلاء؛ فلا أظن الأمور ستؤول إلى خير.